عبد الواحد كنفاوي تمثل مديونية الأسر حوالي ربع الناتج الداخلي الإجمالي، رقم لا يبشر بالخير، لأنه يعكس الأزمة المالية التي تعيشها الأسر، خاصة الفئات متوسطة الدخل. الأزمة تعكسها نسبة القروض معلقة الأداء الموجودة في ذمة الأسر، إذ تصل إلى 8.3 في المائة، في ما يتعلق بالقروض العقارية، التي تخصص عادة لاقتناء السكن، وترتفع إلى 13.8 في المائة بالنسبة إلى السلفات المخصصة لتمويل الاستهلاك، أو ما يصطلح عليها بالقروض الاستهلاكية. لقد تحول اللجوء إلى القروض من حاجة استثنائية لتمويل مشاريع كبرى، مثل شراء مسكن أو أرض فلاحية إلى سلوك يومي لتغطية نفقات المعيشة. وتظهر معطيات البنك المركزي أن جزءا كبيرا من هذه المديونية لم يعد استثماريا، بالدرجة الأولى، بل أصبح استهلاكيا، يمول شراء سلع كمالية، أو يغطي عجزا شهريا عن تلبية الحاجيات الأساسية. إنها ظاهرة لا تقتصر على فئة اجتماعية معينة، بل تمتد لتشمل شرائح واسعة، لتصبح عبئاً ينهك القدرة الشرائية، ويُهدد الاستقرار المالي والاجتماعي لملايين الأسر، ويتحول تدريجياً إلى قنبلة موقوتة، قد تنفجر في أي لحظة. هذا الوضع يولد ضغطا نفسيا واجتماعيا رهيبا، ويزيد من مخاطر التخلف عن السداد، ما يهدد استقرار الأسر، ويضعها في مواجهة إجراءات قانونية قد تفضي إلى حجز ممتلكاتها، وهناك حالات عديدة يفاجأ فيها مقترضون بالحجز على عقاراتهم أو سياراتهم لأنهم لم يؤدوا أو تأخروا في أداء الأقساط الشهرية. تفاقم مديونية الأسر وارتفاع نسبة القروض معلقة الأداء يشكلان تهديدا للاقتصاد ككل، فاستنفاد القدرة على الاقتراض يحد من الطلب الداخلي، ويضعف النمو الاقتصادي في نهاية المطاف، ما يفرض التفكير بجدية في هذا الموضوع، لتفادي اتساع دائرة العسر في الأداء، ما من شأنه أن يشكل تهديدا حقيقيا للمنظومة المالية، علما أن الأسر تمثل مكانة مهمة في رقم معاملات البنوك وشركات التأمين. الأخطر في تفاقم المديونية أنها تتحول إلى حلقة مفرغة، فالأسر، التي تقترض لتغطية العجز، تجد نفسها، بعد ذلك، مضطرة لتخصيص جزء كبير من دخلها الشهري لسداد الديون وفوائدها، ما يزيد من تآكل قدرتها الشرائية، ويقلص هامش الادخار، ويدفعها إلى مزيد من الاقتراض، لتجد نفسها في نهاية المطاف في دوامة يصعب الخروج منها. إن مديونية الأسر ليست مجرد رقم في تقرير اقتصادي، بل هي واقع يومي مؤلم يعيشه الملايين، إنها مسؤولية جماعية تتطلب وعيا، وتخطيطا وتدخلا حازما من كافة الفاعلين لتجنيب المجتمع أزمة اجتماعية واقتصادية غير مستبعدة. يجب على السلطات العمومية المعنية إيلاء الموضوع العناية التي يستحقها وفرض رقابة صارمة على شروط القروض الاستهلاكية، وحماية المستهلكين من العروض المغرية التي قد تدفعهم نحو التورط في ديون لا قبل لهم بها، والوقوع في دوامة قروض، يصعب الخروج منها دون أضرار جانبية للأفراد والمجتمع.