ترأس غرفة جنايات الحسيمة ومنحته جرأته حب الجميع لما نتحدث عن الأستاذ محمد المرابط، سليل منطقة تماسينت بإقليم الحسيمة، فنحن بصدد مسيرة متميزة لرجل في القضاء المغربي، تقلب في العديد من المناصب والمسؤوليات، قبل التحاقه بمحكمة النقض. رجل قانون بامتياز، إلى حد يقال معه إن القانون يجري في عروقه. صرامته في تطبيق القانون وعدم تساهله مع كل مامن شأنه أن يمس بنزاهة القضاء، جعلا منه نموذجا نادرا في منظومة العدالة المغربية. يصفه العديد من أصدقائه وزملائه بالقاضي الرصين. دقيق في مواعيده. صارم في المداولات. لم يكن يتهاون مع أي وثيقة، وكان يصر على استعراض الأدلة داخل الجلسات بنفسه، محولا المحكمة إلى فضاء حي للعدالة، لا مجرد مسرح للطقوس القضائية. ولد الأستاذ محمد المرابط سنة 1955 بدوار زاوية سيدي عيسى التابع لجماعة إمرابطن (تماسينت) بإقليم الحسيمة. ولج الكتاب في السنوات الأولى وتعلم القراءة وحفظ القرآن، قبل التحاقه بمدرسة ابتدائية تابعة للتعليم الأصيل بتماسينت. انتقل المرابط إلى ثانوية الإمام مالك للتعليم الأصيل (المعهد الديني)، بمدينة الحسيمة، ذلك المشتل الذي أنبت أطرا وكفاءات عالية تولت مناصب مهمة ببلادنا، ودرس بها القسم الإعدادي، فتحول بعد ذلك رفقة مجموعة من التلاميذ إلى ثانوية القاضي بن العربي بتطوان لمتابعة دراسته الثانوية، حيث أخذ نصيبه من معاني القرآن ودرجات الحديث بأسانيده والفقه والأصول والنحو وألفية ابن مالك. وبعد نجاحه في الباكلوريا سنة 1975 التحق بكلية الحقوق بجامعة محمد بن عبد الله بفاس ونال الإجازة في القانون الخاص سنة 1978. التحق بالخدمة المدنية بمدينة العرائش، وعمل في إطارها سنة واحدة، قبل نجاحه في مباراة ولوج المعهد العالي للقضاء. كانت بدايته سنة 1980 قاضيا جالسا بابتدائية طنجة، قبل انتقاله إلى تاركيست، ومنها إلى ابتدائية الحسيمة قاضيا جالسا. كما اشتغل نائبا لوكيل الملك ببركان، فنائبا للوكيل العام باستئنافية وجدة. وفي سنة 1993 عاد إلى الحسيمة نائبا للوكيل العام، وبعد سنة ونصف سنة تحول إلى القضاء الجالس مرة أخرى بمحكمة الاستئناف بالحسيمة التي غادرها نحو استئنافية القنيطرة سنة 2004، حيث اشتغل فيها مدة 12 سنة، رئيسا لغرفة الجنايات الاستئنافية، ورئيسا لغرفة الجنح الاستئنافية كلما دعت الضرورة إلى ذلك قبل التحاقه بمحكمة النقض سنة 2016. قضايا شهيرة من بين القضايا الشهيرة التي بت فيها القاضي محمد المرابط، حين كان رئيسا لغرفة الجنايات الاستئنافية باستئنافية القنيطرة، ملف الشرطي الذي أطلق النار من مسدسه الوظيفي في أبريل من سنة 2014، وقتل ثلاثة من زملائه في المهنة بمفوضية أمن مشرع بلقصيري. أما الجلسة التي دخلت تاريخ المحاكم بالمنطقة الشمالية، واحتضنتها قاعة الجلسات بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة، فكانت تلك التي استمرت 14 ساعة، نظر خلالها القاضي المرابط في ملف متهمين بالاتجار الدولي في المخدرات، وذلك في إطار الحملة التي أعلنها أواسط التسعينات وزير الداخلية السابق إدريس البصري، حول مهربي المخدرات والاتجار فيها. وأدين خلالها أربعة متهمين كانوا يقطنون بمدينتي تطوان وطنجة بعقوبة سجنية بلغت عشر سنوات لكل واحد منهم. وشهدت الحسيمة مساء ذلك اليوم مقتل رئيس المجلس الإقليمي للحسيمة رشيد الخمليشي حيث ظلت خيوط هذه الجريمة مجهولة إلى حدود اليوم. ومن بين القضايا المثيرة، ملف امرأة توبعت بتهمة القتل العمد، واعترفت بالمنسوب إليها في كل مراحل التحقيق، غير أنه لما كان المرابط يستعد للنطق بالحكم، نهض شاب وصاح قائلا "أنا القاتل"، الشيء الذي أعاد الملف إلى نقطة الصفر، حيث تمت تبرئة المرأة وإدانة الشاب. القاضي الرادع للمجرمين مباشرة بعد الإعلان عن تنقيل محمد المرابط من استئنافية الحسيمة إلى نظيرتها بالقنيطرة، عبر العديد من المواطنين بالحسيمة عن أسفهم لقاض استثنائي، واجه المجرمين وأنصف ضحاياهم، حيث كانت أحكامه المشددة تتداول داخل المقاهي والمؤسسات العمومية، كما تتداول الأخبار العاجلة. ولم تكن تلك الأحكام التي كانت تلقى صدى طيبا وسط المواطنين عبارة عن سنوات من السجن فقط، بل كانت رسائل قوية موجهة إلى كل من سولت له نفسه انتهاك كرامة المواطن،أوسلبه ممتلكاته أو حياته. كانت العدالة في حضرته أكثر هيبة، خاصة في قضايا القتل العمد والاختطاف والاغتصاب وتكوين العصابات الإجرامية والاعتداء على المواطنين. وتقول بعض المصادر إن القاضي محمد المرابط حين عاد إلى الحسيمة مستشارا بمحكمة الاستئناف، لفت انتباهه تفشي السرقة والاعتداء على المارة بالحسيمة، بعدما كانت المنطقة تعرف استقرارا وكان يسودها الأمن والطمأنينة، ما جعله يتعامل مع الوضع بنوع من الصرامة. يقول عنه بعض زملائه إن أحكام المرابط كانت رادعة يراعي فيها خطورة المجرم وخطورة ما اقترفه من جرم ومراعاة ما أصاب الضحايا من أضرار. وسيظل اسم محمد المرابط محفورا في ذاكرة سكان الحسيمة والمناطق المجاورة لها، في زمن كانت الأحكام رادعة ومهابة. اعتراف يقول المرابط في حق ثانوية المعهد الديني بالحسيمة "لقد عدت لأخاطبكم، بصفتي أحد أبناء ثانوية الإمام مالك (المعهد الديني) التي فتحت أمامي دروب المعرفة، في وقت كانت فيه الحسيمة تعيش جفافا ثقافيا وتعليميا ومعرفيا. ومازلت أحتفظ بامتنان عميق لتلك المرحلة، حيث غرس الأساتذة والأطر التربوية والإدارية بذورا مازالت تعطي ثمارها في مساري. وقد رغبت في مارس الماضي أن أجدد لهم هذا العرفان مباشرة، غير أن الرياح جرت بما لاتشتهي السفن". جمال الفكيكي (الحسيمة)