عواملها متعددة والوزير قيوح يدق ناقوس الخطر بشأن تفاقم أرقام الضحايا عرفت دكالة في ظرف أسبوع واحد مصرع تسعة أشخاص في حوادث سير مختلفة، وهي المأساة التي لها رجع صدى قوي في مختلف ربوع بلادنا، حيث لا يكاد يمضي أسبوع دون أن تقع حادثة / فاجعة هنا وهناك، مخلفة وراءها قتلى ومعطوبين وفاتورة اقتصادية ثقيلة وآثارا اجتماعية تخلخل استقرار العديد من الأسر، عدا رفع عدد الأيتام والمتضررين سيما عندما يتم فقدان معيلي تلك الأسر. وتظل بلادنا برغم إطلاق الإستراتيجية الوطنية للحد من آفة حوادث السير بين 2017 و2026، في طليعة البلدان التي تعيش حربا مستمرة على الإسفلت الأسود، ذلك مرده لأسباب مختلفة ومتعددة لكن الموت واحد. إنجاز: عبد الله غيتومي (الجديدة) إذا كانت المنظمة العالمية للصحة حصرت عدد القتلى سنويا في 1،3 مليون قتيل سنويا عدا ملايين المعطوبين، فإن بلادنا تصنف ضمن خانة البلدان ذات المعدلات المرتفعة في عدد حوادث السير المميتة، إذ يسجل بها سقوط 10 قتلى يوميا و33 جريحا، وهي مؤشرات مقلقة إلى حد بعيد، خاصة أن الإحصائيات المستجمعة خلال الستة أشهر من السنة الجارية، تحيل على تزايد ملحوظ حددته مصالح متتبعة بما يتجاوز 20 في المائة. ولم يتردد عبد الصمد قيوح وزير النقل واللوجستيك، الذي كان يتحدث في شهر يوليوز الماضي في اجتماع اللجنة الدائمة للسلامة الطرقية بالرباط، في القول بأن وضعية حوادث السير تتفاقم بشكل ملحوظ، ومرشحة أن تحطم الرقم القياسي في الوفيات المسجل سنة 2011، والذي تجاوز سقف 4200 قتيل. ولم يخف قيوح أن الوضع مقلق للغاية ومن المرجح أن يتفاقم مع كثرة التحركات، واستدل على أن السلامة الطرقية ببلادنا تمر من سياق صعب، بإحصائيات سنة 2024 التي سجلت 143 ألف حادثة بارتفاع بلغت نسبته 16،22 في المائة مقارنة بسنة 2023، ما أودى بحياة 4024 قتيلا بزيادة 5،37 في المائة . وتشير الإحصائيات إلى أن 992 راجلا لقوا مصرعهم بنسبة 28 في المائة يليهم مستعملو دراجات نارية ثنائية وثلاثية العجلات ب852 قتيلا بنسبة 24 في المائة وأصحاب السيارات 545 قتيلا بنسبة 16 في المائة و356 وفاة في صفوف أطفال تقل أعمارهم عن 14 سنة بنسبة 10 في المائة و305 وفيات في صفوف النقل المهني بنسبة 8،7 في المائة. ومن جهة أخرى تبنت بلادنا إستراتيجية وطنية تروم في 2026 خفض عدد قتلى حوادث السير بنسبة 50 في المائة، أي الوصول إلى 1900 قتيل. ولأجل بلوغ الأهداف المنشودة تم تبني برنامج استعجالي، خلال العطلة الصيفية 2025، ينبني على مجموعة من الإجراءات ،ومنها تشديد المراقبة على السرعة، وإلزامية استعمال الخوذة الواقية بمواصفات مصادق عليها، وإخضاع مختلف أنواع الدراجات النارية لجهاز سبيدومتر لقياس السرعة، وعدم التساهل مع حافلات نقل المسافرين للتأكد من احترام ساعات السياقة والراحة وعدد الركاب، وزجر السياقة الاستعراضية والبهلوانية. مسلسل الموت مستمر تستمر الإستراتيجية الوطنية 2017 / 2026 للحد من حوادث السير، في مواصلة التصدي أملا في خفض نسبة الحوادث المميتة بنسبة 50 في المائة، إلا أن مستودعات الأموات بالعديد من المدن ببلادنا، تشهد يوميا مآتم حقيقية، ونعوشا محمولة إلى المقابر مخلفة وراءها مآسي اجتماعية لا عد لها ولا حصر. ففي يوم الأحد الماضي وعلى الطريق الوطنية رقم 7 الرابطة بين سيدي بنور وأولاد عمران، لقي خمسة أفراد من عائلة واحدة مصرعهم للتو ن جراء تصادم قوي بين سيارتين خفيفتين وجرار فلاحي، وتم نقل العديد من المعطوبين إلى مستشفى الجديدة ومستشفى سيدي بنور للعلاج. وفي اليوم نفسه كذلك لقي شخص مصرعه في حادث تصادم سيارتين بمدارة مصور راسو على الطريق الرابطة بين الجديدة وسيدي إسماعيل وأصيب آخرون بجروح متفاوتة الخطورة. وقبل أسبوع كذلك شهدت الطريق الرابطة بين تارودانت وأكادير، فاجعة بكل المقاييس جراء تحطم شاحنة لنقل الخضر وسيارة أجرة كبيرة، ما أدى إلى مصرع الجميع وعددهم ثمانية وضمنهم سائق الشاحنة. وقبل ثلاثة أيام قضى شخص نحبه بمستعجلات المستشفى المحلي بأزمور وأصيب خمسة آخرون بجروح وصفت بالخطيرة، في حادث تصادم سيارتين على الطريق الإقليمية 3449 بتراب جماعة الحوزية. وقبل شهر لقي شاب عمره 18 سنة مصرعه، تحت عجلات حافلة لنقل المسافرين بمحطة الجديدة، فقد سائقها السيطرة عليها فانطلقت "هائجة" ودمرت بوابة المحطة وأجهزت على الضحية وأصابت سيارات متوقفة. وفي 8 يونيو الماضي عرفت جماعة سور العز بقلعة السراغنة على الطريق الوطنية رقم 23، فاجعة مصرع 7 أشخاص كانوا على متن دراجة ثلاثية العجلات. تفسيرات مختلفة تتعدد الأسباب المسؤولة عن حوادث السير المميتة في بلادنا، وتكاد كل الإحصائيات تحصرها بنسبة 95 في المائة في العامل البشري الذي يرجع إليه المساهمة في تنامي المنحنى التصاعدي لهذه الحوادث، وفي كل مرة نسمع بأن مستعملي الطريق يقومون بسلوكات خاطئة منها عدم احترام قانون السير، والقيادة تحت تأثير الكحول وقلة الانتباه وتشتيته باستخدام الهاتف المحمول وضعف التكوين في مدارس السياقة وعدم احترام إشارات المرور والسياقة الاستعراضية وتغيير الخصائص التقنية للدراجات النارية، وعدم استعمال حزام الأمان. ويلوم المواطنون حالة الطرق المهترئة وضيقها أمام تنامي عدد السيارات والمركبات والدراجات وغياب التشوير الأفقي بها، والاعتداءات المادية المتكررة على الطرق بوضع عتبات تحديد السرعة دون سند قانوني وسرقة علامات التشوير، وغياب فحص تقني دوري لحافلات نقل المسافرين للتأكد من صلاحيتها لنقل مسافرين وعدم التضحية بأرواحهم وإخضاع السائقين بصفة عامة لفحوصات طبية مستمرة لضبط قدراتهم الصحية التي تخول لهم السياقة، وقلة في نشرات مواكبة للظروف المناخية القاسية كالأمطار والثلوج والضباب، التي هي من العوامل المؤدية إلى فواجع كثيرة. فاتورة حوادث السير ببلادنا مكلفة تعاني بلادنا في صمت منذ فترة ليست باليسيرة من الفاتورة الغالية والمكلفة لحوادث السير، وقد سبق أن كشف الحسن الداكي الوكيل العام السابق لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، أن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتلك الحوادث تقدر بحوالي 69، 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل 19،5 ملايير درهم سنويا بمعدل 3،19 ملايين درهم لكل قتيل وحوالي 800 ألف درهم لكل معطوب. وهي المعطيات نفسها التي أكدها ناصر بولعجول مدير الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، وعلى المستوى الاجتماعي فهي حوادث ترفع بشكل واضح معدل الأيتام والأرامل والمعاقين ، بل تعتبر مسؤولة عن خلخلة أوضاع اجتماعية وتوسيع دائرة الأحزان والقلق والاكتئاب وتفكك العلاقات الاجتماعية. السياقة تربية أولا أكد خليد بوعرفة أن حوادث السير ببلادنا أضحت حربا حقيقية تحصد الأرواح في صمت مريب، وقال في تصريح لـ "الصباح" لا يجادل اثنان في أن بلادنا تعرف نموا ملحوظا في نسبة حوادث السير المميتة وخاصة في الحواضر، فمثلا هنا بالجديدة سجلت هذه المدينة أعلى نسبة في كثرة ملفات حوادث السير المعروضة على محاكمها". وعن الأسباب المسؤولة عن رفع معدلات حوادث السير بصفة عامة، زاد بوعرفة موضحا "من دون شك ليس هناك سبب واحد بل الأسباب متعددة، وحتى المساهمون في هذه الحوادث متعددون كذلك، وأظن أن السياقة قبل كل شيء ليست هي الحصول على رخصة ،بل هي تربية وأخلاق وتسامح على الطريق. وأعتقد أن الرعونة في السياقة وعدم احترام الأضواء المنظمة للمرور وقانون السير بصفة عامة يغذي النمو المتزايد في حوادث السير، فضلا عن الضغوطات النفسية والاجتماعية أثناء السياقة وأثرها على تشتيت التركيز اللازم". ولم يقف خليد بوعرفة عند هذه الجوانب فقط، بل أضاف أسبابا أخرى يرى القضاء عليها وتطويقها كفيل بخفض نسبة تلك الحوادث إلى سقف 50 في المائة الذي تنشده الإستراتيجية الوطنية للحد من آفة حوادث السير، واستطرد في تصريحه" لا ننكر أن بنية الطرق المهترئة وضعف علامات التشوير والإشارات المرورية المعطلة، كل ذلك يزيد في تفاقم الحوادث المميتة إلى درجة طرح السؤال إلى متى سيستمر هذا الواقع؟". وفي الوقت الذي تبذل فيه جهود كبيرة لتقليص منسوب تلك الحوادث يرى بوعرفة أنه ليست وحدها الترسانة القانونية كفيلة بتحقيق المبتغى، وزاد قائلا "تتمتع بلادنا بتشريعات قانونية متطورة، بل ومواكبة لطموحات المجتمع في التصدي لهذه الآفة، ومن ذلك حرص وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية في إطار سلطة الملاءمة، على تعليمات صارمة في كل حوادث السير المقرونة بالسياقة الاستعراضية على الاعتقال والتقديم، ولذلك من دون شك أثره الفعال في ردع سلوكات سياقة متهورة". وختم بوعرفة "بالموازاة مع تطبيق التشريعات القانونية ، فلا مناص من انخراط المجتمع المدني وكل الفاعلين في حملات توعوية تحسس مستعملي الطريق أن بلادنا تجتاز وضعية صعبة، جراء تنامي حوادث السير القاتلة، وأن العديد من الأسر تعاني اليوم تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية، وأنه حان الوقت أن يلتف الجميع لوقف نزيف الطرقات". خليد بوعرفة (محام بهيأة الجديدة) ترند: الظاهرة تحت مجهر "فيسبوكيين" تثير حوادث السير ببلادنا جدلا كبيرا إلى درجة أضحت موضوعا يؤرق شرائح واسعة من المجتمع، وفي كل مرة تقع فيها حادثة مروعة، تشتعل صفحات التواصل الاجتماعي بردود أفعال مختلفة ومتباينة، حد إلقاء المسؤولية على القيمين على السلامة الطرقية، وعلى مجالس ترابية لم تبادر إلى صيانة البنى الطرقية اللازمة وتوفير التشويرين العمودي والأفقي، وفي أحيان أخرى توجه فيها أصابع الاتهام إلى سلوكات متهورة لم تراع قانون السير. في حادثة تارودانت غرد محمد الخروبي وهو باحث ومهتم بالشؤون القانونية على صفحته قائلا "أمام ارتفاع نسبة القتلى في حوادث السير، يظهر أن هناك خللا ما مرتبطا بالأساس بتهور السائقين وعدم احترام قانون السير، ولا سبيل للحد منها إلا عبر مقاربة تهم جميع مكونات المجتمع في صياغة حلول كفيلة بردع هذا التهور، وأنا مستعد لأي حوار جاد ومسؤول وهادف حول صياغة حلول لأجل الحد من حوادث السير". في حين حملت راجية الفردوس المسؤولية في الحادث إلى صاحب سيارة الأجرة وقالت "باغين يطيرو أصحاب الطاكسيات الكبار". وردت عليها زينة الحياة "الأجل ديالهم مساكن وصل وتقاضى عملهم في الدنيا، الله يرحمهم ويجعلهم من أهل الجنة". وفي حادثة سيدي بنور قال أحدهم "يتعين على المراقبة الطرقية بمختلف مكوناتها التشدد في سير الجرارات والآليات الفلاحية على الطرقات، ها نحن نرى أن جرارا فلاحيا أودى بحياة خمسة أشخاص من أسرة واحدة. إنها فاجعة كبرى". وفي مصرع شاب بالمحطة الطرقية بالجديدة كتب سعيد انهامي "في خضم هذا المصاب الجلل لا يمكن للمرء إلا أن يلفت الانتباه إلى الواقع المؤلم، الذي يعيشه زائر المحطة الطرقية بالجديدة، والتي باتت تشكل نقطة سوداء بسبب حالتها المتدهورة وهندستها المتلاشية وموقعها، الذي لطالما طالب السكان بنقله إلى المكان المناسب كما خطط له، فما تعيشه المحطة الطرقية بالجديدة، ليس سوى انعكاس لغياب شبه تام لأبسط آليات التسيير والرقابة".