الفقيه الأمازيغي الذي حوله الحب إلى شاعر وفنان غيب الموت، الأسبوع الماضي، الفنان صالح الباشا الذي يعد أحد أبرز الأصوات الأمازيغية في المغرب، حيث ساهم في إغناء الساحة الفنية بأعمال غنائية مميزة لامست قضايا اجتماعية، ثقافية وتراثية، جعلته يحتفظ بمكانة خاصة في قلوب عشاق الأغنية الأمازيغية، خاصة في سوس والمناطق الجنوبية. وشكل رحيل الفنان صالح الباشا خسارة فادحة للفن الأمازيغي، وترك صدمة قوية في صفوف جمهوره ومحبيه، خاصة أولئك الذين اعتادوا على حضوره في التظاهرات الثقافية والمهرجانات المحلية. في هذا الخاص تستعيد "الصباح" محطات من مسار هذا الفنان الاستثنائي، بالاعتماد على كتاب"مسلك الفن: صالح الباشا نموذجا" للباحث حسن هموش الصويري. إعداد: عزيز المجدوب بقامته القصيرة وشعره الفاحم الذي ظل محافظا على سواده ولم يخطه الشيب إلا ببضع شعيرات، كان صالح الباشا ينسل وسط الجماهير الغفيرة التي تحج إلى سهراته، مندمجا في الغناء، وهو يداعب هذا الطفل ويعانق ذاك المعجب، أو ينصت لآخر دون أن يتوقف عن الغناء، أو يقتعد الأرض وهو يشدو أو يسير حافي القدمين فوق الخشبة أو في جنباتها. كانت للباشا طقوسه الخاصة في الغناء وفي مواجهة الجمهور، لم يكن يشبه فيها إلا نفسه. كان أشبه بمجذوب وهو يغني بعينيه الناعستين وقد أحاطت بهما هالة سواد خفيفة تكشف حجم الإرهاق والمعاناة التي كان يحملها الرجل، الذي ظل رمزا للإنسان الذي استطاع أن يحول وجعه الذاتي إلى أشعار وأغان ترددها الألسن وكأنها تتحدث عن همّ جماعي يشترك فيه كل من ينصت إليه. رحل الباشا وهو عازب في الستين، زاهدا في الحب والمال الذي لم يكن يعيره أي اهتمام، بل كثيرا ما كان يتعفف عن تلقي "الغرامة" التي يمطره بها المعجبون والمعجبات، ويتخلص منها للتو، يمسكها بيد ويمنحها بأخرى إما لطفل صغير، أو شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن الجماهير، ويتحرك مثل حكيم أو شيخ صوفي لم تكن طقوس الغناء والرقص سوى قشور ظاهرية لمأساة أزلية ظل يحملها الباشا في أعماقه وكانت ترشح منه أشعارا وأنغاما. نابغة إحاحان يتوقف الباحث حسن هموش الصويري عند لحظة ميلاد الراحل صالح الباشا قائلا إنه ولد في 1965 بدوار "إد نعومْ" بجماعة "إدا وكرض" جنوب الصويرة بحوالي عشرين كيلومترا ضمن مجال قبائل إحاحان. والده هو لحسن بن الرايس احماد الباشا مايسترو فرقة أحواش حاحا لسنوات الستينات والذي كان مشهورا برقصته المتميزة وعلى رأسه مرجل ماء حار فوق موقد فخاري مليء بالجمر. وتجدر الإشارة إلى أن أباه كان ضمن هذه الفرقة كإيقاعي لآلة "البندير"، يصاحبهما خاله حسن الباشا عازفا ماهرا على آلة الناي والذي كان يستطيع مسايرة العزف دون معين منفردا، أما أمه فهي باشا الباشا، بنت عمر. ويقول هموش في كتابه "مسلك الفن.. صالح الباشا نموذجا": "نشأ شاعرنا نشأة قروية بدوية، كان في صغره يتناوب مع إخوته على رعي أغنام وماعز الأسرة، وفي الوقت ذاته كان يتردد على مسجد الدوار القريب من مسكنه يتعلم حروف الهجاء ويحفظ ما تيسر من كتاب الله لدى الفقيه سيدي علي ندابراهيم. وبعد بلوغه سن التمدرس رافق أقرانه إلى المدرسة الحكومية البعيدة عن مقر سكناه بأزيد من ثلاثة كيلومترات يقطعها يوميا راجلا ذهابا و إيابا، إلى أن نال الشهادة الابتدائية، وإبان هذه الفترة لم يتخل قط عن مسايرة دروسه القرآنية بل كانت له زيارات يومية للمسجد بعد عودته من المدرسة". ولظروف مرتبطة ببعد الثانوية الإعدادية التي توجد بالصويرة بعيدا عن مسكنه، ونزولا عند رغبة الوالد قرر صالح التخلي عن مسايرة تعليمه الإعدادي، ليشد الرحال صوب المدارس العتيقة، فاتجه في البداية نحو مدرسة بسوس بمنطقة ازرو، هنا حيث تتلمذ على يد الشيخ الحاج محمد أرسموك. بعدها، يضيف هموش" تسلم رسالة من شيخه للالتحاق بمدرسة أخرى لتطوير معارفه والتحق بمدرسة "سيدي بيبي" لدى الشيخ سيدي علي اماعي. فرح بذلك أشد الفرح عله يكسر رتابة ما لقيه في مدرسته السابقة. بدأ بهذه المدرسة مجدا ومثابرا، يساعده في متابعة دروسه وتوفير لوازمها المادية كل من أبيه لحسن وأخواله حسن، سعيد والحسين، هدفهم تشجيعه على مسايرة التحصيل في العلوم الدينية حتى يصبح له شأن عظيم في هذا المجال. هنا في هذه المؤسسة وجد ضالته، فبين الفينة والأخرى كانت تنتشله الكتابة الشعرية من غربة الذات ورتابة الحياة إلى رحابة الحياة الحقيقية، في نظره. لم يطل صالح الباشا الطالب البقاء بسيدي بيبي ولغرض استكمال تعليمه، وبعد استشارة الوالد رحل مع أمتعته من أدوات الطبخ والكتابة والألواح وبعض الكتب والدفاتر التي كان يخصصها لكتابة أشعاره إلى مدرسة "آيت سعيد" العتيقة بمنطقة ماسا ناحية تزنيت، ليتتلمذ هذه المرة لدى الشيخ الجليل سيدي سعيد البوشواري المعروف بإتقانه لرواية البصري والمتمكن كذلك من بعض المتون الأخرى: كصرف المكي. وله في الفقه والنحو مشاركات لابأس بها، تلقى على يده العلوم الشرعية كألفية بن مالك وغيرها. الفقيه "المشارط" المتمرد ولقصر ذات اليد ورغبة من صاحبنا في كسب قدر من المال يعينه على الاستمرار في التحصيل والدرس، تحيّن فرصة سانحة، فغادر فصول الدرس رفقة أربعة من زملائه لاقتحام عالم "الشرط"، وتأتى له ذلك بمنطقة اسافن "أسيف نايت هارون" جنوب مدينة تارودانت ؛هنا مكث ما يناهز الستة أشهر في مسجد يؤم الناس ويعلم الصبية مقابل وجبات الطعام وواجب مادي سنوي هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع مع توفير أضحية العيد، فبدا لصاحبنا بعد هذه التجربة المريرة ما بدا لغيره من أقرانه الطلبة الأذكياء أن "الشرط" ما هو إلا مظهر من مظاهر الذل والضياع. هكذا تمرد هذا الشاعر الشاب وهو في مقتبل عمره على "الشرط" وما يأتي من ورائه بعد إحساسه بالدونية. قصائد البدايات خرج صالح الباشا باحثا عن مصدر آخر للرزق، فوجد عملا متواضعا بمخبزة بأكادير، فقرر الاشتغال بها مؤقتا حتى يجد الأفضل، وأثناء مزاولته لعمله كان يكسر الرتابة فيدندن ببعض ما لحنه من كلمات قصائد أشعاره، فسمعه شخص يدعى أحمد بلعطري فأعجب بهذا أشد إعجاب واستفسره عن صاحب هذه الكلمات و الألحان المغناة بهذا اللحن الشجي المؤثر؛ لم يصدق في البداية الأمر من أن ما تلقفته أذناه هو من نظم الباشا، وبعد تأكده من ذلك شجعه لولوج عالم فن الغناء، خصوصا أن ما يكتبه صالح يفوق بكثير ما يروج في سوق الغناء الأمازيغي من فن الروايس المعاصرين. ومن هنا كانت نقطة بداية الفنان الشاعر الشاب صالح الباشا الذي لم يخف أبدا عشقه للراحل الرايس مبارك أيسار وتأثره به. الانطلاقة الفنية وصلت أخباره إلى علم الروايس فبدؤوا يأخذون منه كلمات أغانيهم لتطويرها، فلاقت نجاحا كبيرا وشهرة لافتة. وفي لحظة ما أدرك أن العديد من الأسماء الغنائية الأمازيغية بدأت تتسلق سلالم المجد والشهرة بفضل أشعاره وألحانه، وهو بعيد عن الأضواء، إلى أن قرر الخروج إلى الواجهة ويقتحم مجال الغناء ليصدر أول شريط له في 1996. لفت صالح الباشا الأنظار إلى غناء الروايس، لكنه لم يكن "رايسا" بالمعنى التقليدي للكلمة، إذ استثمر وجعه الشخصي من قصة حب عنيفة عاشها انتهت بخسارته حبيبته على طريقة عنتر بن شداد أو قيس بن الملوح، فآثر على نفسه أن يعيش عازبا حاملا في داخله وجعه المزمن الذي حوله إلى ركام هائل من الأغاني والأشعار التي أبدعها على مدار ثلاثين سنة من عمره الفني قبل أن يرحل في أوج عطائه. أمرير: اتجاه جديد ومختلف يرى الباحث والدكتور عمر أمرير أن رحيل الفنان صالح الباشا خسارة فادحة للفن بشكل عام، بحكم أنه كان يمثل اتجاها جديدا في الشعر والأغنية الأمازيغيين. وقال أمرير، في حديث مع "الصباح"، إن الراحل الباشا تميز بأسلوب خاص في طريقة الأداء والإلقاء الشعري والغنائي، وأن هذا الأسلوب بلغ نضجه وكان يسير في اتجاه التأسيس لتيار متفرد في الفنون الأمازيغية، إلا أن صاحبه رحل في أوج عطائه واختمار تجربته. وأضاف صاحب كتاب "الشعر الأمازيغي في المغرب" أن صالح الباشا استطاع أن يجمع بين الخصائص التي كانت تتوزع التيارات الشعرية والغنائية الأمازيغية، إذ أخذ من أسلوب "إيماريرن" أي شعراء أحواش الذين يلقون الشعر في الساحات وأمام الجمهور في التجمعات القبلية ويحاورونه، كما أخذ من أسلوب "الروايس" الذين يجمعون بين الشعر والغناء والعزف على الآلات الموسيقية، في جو من الوقار والهيبة. واستطاع الباشا، يضيف أمرير، أن يتمرد على هذين الشكلين، أو بالأحرى أن يتمثلهما معا ويبتكر أسلوبا خاصا به في الظهور أو التفاعل مع الجمهور والاقتراب منه لدرجة التماهي. واستعاد الإعلامي والباحث الأكاديمي أيضا دور البيئة التي نشأ فيها الراحل صالح الباشا معتبرا أن قبيلة إحاحان التي ترعرع فيها تعتبر مهدا تاريخيا لأكبر شعراء الأمازيغية والشعر ليس شيئا جديدا على هذه القبيلة التي اتسم معظم أفرادها بالشجاعة والإقدام ومقاومتهم الدائمة للمستعمر وهو ما ينعكس في فنونهم وأشعارهم ورقصاتهم التي تتخذ طابعا حربيا، لذا كان من الطبيعي أن يكون لكل هذا تأثير في مخيلة الباشا وضائقته الشعرية.