استمرار إغلاق 54 مركز استقبال وتوقعات باستفادة حوالي 197 ألف شخص مع انطلاق موسم التخييم الوطني لـ 2025، تجدد الجدل بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل والجمعيات التربوية بشأن طريقة تدبير الفضاءات التخييمية، وسط تصاعد نبرة الغضب من جانب عدد من الفاعلين الجمعويين الذين عبروا بصراحة عن رفضهم لما وصفوه بـ "المساعي الجارية لتفويت مراكز التخييم وخوصصتها"، محذرين من تفريغ هذه المؤسسات من بعدها التربوي وتحويلها إلى مشاريع ربحية بعيدة عن روح العمل الاجتماعي والتربوي. إنجاز: خالد العطاوي يتكرر كل فصل صيف، جدل بين الوزارة الوصية على قطاع التخييم والجمعيات التربوية، حول المخيمات التربوية، ورغم نهاية بعض مراحل التخييم، إلا أن عددا من الجمعيات مازالت تندد بما تعتبره خطوات متسارعة نحو تهميش دورها، وتقليص حصصها، وإقصائها من النقاشات المركزية حول مستقبل الطفولة والتخييم في المغرب. في المقابل يتضمن العرض الحكومي للتخييم مؤشرات على التجديد والانفتاح واحترامه لمبادئ التشاركية والعدالة التربوية. مخطط حكومي للنهوض بالقطاع في يناير الماضي، قدمت وزارة الشباب والثقافة والتواصل العرض الوطني للتخييم لموسم 2025 خلال لقاء رسمي احتضنته المكتبة الوطنية بالرباط، ووفق العرض، سيمتد برنامج التخييم عبر ثماني مراحل أساسية تشمل لقاءات لتقوية القدرات، وجامعات الشباب، والمخيمات القارة ومخيمات القرب، إضافة إلى المخيمات الموضوعاتية الجهوية، والتجوال الكشفي، والتداريب التكوينية، وصولا إلى الاصطياف التربوي، إذ تمت برمجة هذه الأنشطة على مدى فصول الربيع والصيف، والعطل البينية. وتوقعت الوزارة أن يستفيد من هذه الفعاليات حوالي 197 ألف شخص، مع تركيز خاص على إدماج الأطفال في وضعية إعاقة، وأبناء المناطق النائية، وأبناء المهاجرين، فضلا عن تحسين المضامين التربوية، إذ اعتبر المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، أن الرهان الأكبر هذا العام هو تحسين الخدمات اللوجستيكية في المخيمات، وتوسيع الطاقات الاستيعابية لتلبية مطالب الجمعيات، مشيرا إلى أن التفكير بات منصبا على جعل التخييم يمتد طيلة السنة، وليس فقط خلال العطلة الصيفية. كما أوضح المسؤول نفسه أن تجربة "المخيمات الفلاحية" التي أُطلقت، العام الماضي، ستشهد تعزيزا إضافيا هذا الموسم، في إطار الانفتاح على المجال القروي، معلنا نية الوزارة تنظيم مناظرة وطنية، أواخر السنة الجارية، لتقييم البرنامج الوطني للتخييم، بمشاركة الفاعلين التربويين والمؤسسة التشريعية، في خطوة ترمي إلى تطوير العرض وتحقيق استفادة أكبر لمختلف فئات المغاربة، بمن في ذلك المتقاعدون والراشدون فوق سن الثلاثين، حسب تصريحه. غضب الجمعيات التربوية مقابل هذه التصريحات الرسمية، عبرت العديد من الجمعيات التربوية عن قلقها من الطريقة التي تم بها تدبير العرض الوطني، إذ تقدمت 881 جمعية بطلبات للمشاركة، لكن لم يقبل منها سوى 768 جمعية، توزعت بين 54 جمعية وطنية، و58 جمعية متعددة الفروع، و656 جمعية جهوية ومحلية، إذ تم الإعلان عن لائحة المستفيدين في ماي الماضي، مع توزيع الحصص خلال الأسبوع الأول من يونيو الماضي. واعتبرت بعض الجمعيات أن عدد المستفيدين تقلص بشكل كبير مقارنة بالمواسم السابقة، إذ تراجع من معدلات كانت تصل إلى 4000 مستفيد لكل جمعية، إلى ما لا يتجاوز 800 مستفيد فقط هذا العام. فضلا عن ذلك، عبر عدد من الفاعلين الجمعويين عن رفضهم لما يعتبرونه "نهجا مقنعا نحو الخوصصة"، إذ يلاحظ تقليص عدد المخيمات المفتوحة، مع استمرار إغلاق 54 مركز استقبال، رغم أنها خضعت لأشغال الإصلاح والتجهيز، وهو ما يحرم آلاف الأطفال من فرص التخييم، ويحول دون استغلال طاقات استيعابية حيوية كانت قادرة على إنعاش الموسم. وترى الجمعيات أن الحكومة تنتهج مقاربة تدبيرية تقنية تقصي البعد التشاركي، وتعتمد على منطق السوق، ما يفرغ التخييم من جوهره مرفقا عموميا ذا وظيفة اجتماعية وتربوية، مشيرة إلى أن تضييق شروط المشاركة وتحديد معايير الانتقاء بشكل صارم قد يقصيان جمعيات لها امتداد مجتمعي تاريخي، رغم ما راكمته من تجارب ناجحة. من جانبه، دافع وزير الشباب عن المساطر المعتمدة في الانتقاء، مؤكدا أن كل المراحل خضعت لمعايير دقيقة وواضحة، وجرى وضع دليل للمساطر والإجراءات لـ2025 يحدد شروط الأهلية، من بينها التوفر على وضعية قانونية سليمة، وأقدمية لا تقل عن خمس سنوات، والانخراط في الجامعة الوطنية للتخييم، والغياب عن سجل المخالفات، كما تم اعتماد نظام تنقيط يشمل الأقدمية، وعدد الفروع، والأنشطة المنجزة، وتمثيلية النساء، وعدالة التوزيع الجغرافي. كما أشار الوزير إلى أن الوزارة نسقت مع وزارة الصحة لضمان الشروط الصحية في مختلف المراكز، وأطلقت صفقة جديدة لتأمين المستفيدين وفق دفتر تحملات يستجيب لمشاكل السنوات الماضية، إلى جانب توحيد نظام التغذية وتكييفه مع خصوصيات كل فضاء. ورغم كل هذه المعطيات، مازالت الجمعيات ترى أن ما يلوح في الأفق هو تراجع مستمر لدورها، وتقلص تدريجي لعدد الأطفال المستفيدين من المخيمات، مقابل تعزيز مقاربات مركزية تدار بمنطق إداري لا يأخذ بعين الاعتبار الطابع التربوي التشاركي الذي لطالما ميز تجربة التخييم في المغرب. في خضم هذا الواقع، يبقى موسم 2025 موسما “رماديا"، بين عرض حكومي يحاول مواكبة الطلب، واحتجاج جمعوي يزداد حدة سنة بعد أخرى. فهل تكون المناظرة الوطنية المقبلة مناسبة لإعادة رسم ملامح سياسة التخييم؟ أم أن الخلافات الموسمية ستظل عنواناً دائما لصيف مازال يبحث عن عدالة تربوية حقيقية؟ العزوزي: لا لتفويت المؤسسات حذر سعيد العزوزي، نائب رئيس اتحاد المنظمات المغربية التربوية ورئيس جمعية الشعلة للتربية والثقافة، من "مسلسل تفكيك البنية التحتية للتنشئة الاجتماعية" و"بيع الذاكرة الجماعية" عبر تفويت مؤسسات الطفولة والشباب وخوصصتها، معتبرا أن ما يحدث ليس مجرد إجراء إداري، بل "انقلاب على فلسفة الدولة الاجتماعية". وأوضح العزوزي أن اتحاد المنظمات المغربية التربوية أعلن موقفه الرافض بشكل قاطع لتسليم هذه المؤسسات إلى جهات تجارية "تحول مراكز الاستقبال والمخيمات إلى مشاريع استثمارية جوفاء، خالية من البعد التربوي والثقافي"، مشيرا إلى أن السبب وراء إصدار بلاغ استثنائي من قبل الاتحاد يرجع إلى "الإحساس المتزايد بالمسؤولية إزاء مستقبل آلاف الأطفال والشباب، الذين باتوا مهددين بفقدان فضاءاتهم التربوية والاجتماعية بفعل منطق السوق الذي بدأ يهيمن على السياسات العمومية دون حوار أو مقاربة تشاركية". وعبر المتحدث عن قلقه من "تآكل ممنهج" للمؤسسات التربوية العمومية، قائلا إن التراجع بدأ بتقليص ميزانيات الصيانة والتجهيز، ليمتد إلى إغلاق مراكز استقبال ومخيمات شهيرة كانت تحتضن آلاف المستفيدين، مذكرا بمراكز من قبيل الهرهورة وطماريس وسيدي رحال والانبعاث، التي تحولت إلى "أطلال مهجورة". وأضاف أن الحصص التي كانت تخصص للجمعيات الوطنية شهدت انهيارا كبيرا، إذ انتقل معدل المستفيدين من 4000 إلى أقل من 800 طفل لكل جمعية، مشيرا إلى أن 54 مركز استقبال مازالت مغلقة منذ أكثر من سنتين، رغم صرف ميزانيات ضخمة على إصلاحها. وأكد العزوزي أن الأمر "توجه سياسي واضح" نحو "الخوصصة المقنعة" لمؤسسات عمومية حيوية، متهما الحكومة بتفريغ هذه المرافق من محتواها الاجتماعي والثقافي، ومعاملة الفضاءات التربوية كأنها شركات خاصة. وأكد العزوزي أن موقف الاتحاد هو "موقف مقاومة ورفض"، مستطردا: “لن نصمت أمام من يريد أن يختصر الطفولة في منطق السوق والمنافع، بل سندافع عن حق الأجيال القادمة في الإبداع والتربية والحياة". ودعا سعيد العزوزي إلى تشكيل جبهة وطنية تضم مختلف الفاعلين الجمعويين والنقابيين والسياسيين لحماية مؤسسات الطفولة والشباب، معلنا عن إطلاق برنامج وطني للترافع والاحتجاج، سيتم تنفيذه تدريجيا خلال الشهور المقبلة، بهدف الضغط من أجل وقف هذا "النزيف الصامت"، وإعادة الاعتبار للدور الحيوي للمؤسسات التربوية في بناء المجتمع.