رحيل أيقونة الغناء الأمازيغي الذي أحيا الأغنية الأطلسية رفقة أوعكي غيب الموت، نهاية الأسبوع الماضي، الفنان بناصر وخويا أحد أيقونات الفن الأمازيغي في المغرب، وواحد من الأسماء التي أغنت خزانة الأغنية بعشرات الأسطوانات والأغاني التي ما زالت ترددها الأجيال. ارتبط اسم الراحل بناصر وخويا بالفنانة الأيقونية حادة أوعكي، إذ شكلا معا ثنائيا فنيا لامعا منذ أواخر الستينات، خاصة بعد انتقالهما إلى البيضاء والمحمدية. وقدما اللون الأمازيغي ولهجة الجبال وسط مدن مغربية كبرى، وتمكنا من توسيع تداولها على أوسع نطاق. كما تفرد الفنان الراحل بتجارب فنية أخرى، خارج تجربة الثنائي، قبل أن يقرر التواري عن الأنظار خلال العقود الأخيرة اختياريا ويعتزل الغناء لكنه ظل فنانا في أسلوب حياته وفي نظرته إلى الوجود إلى أن وافته المنية. في هذا الخاص تستعيد "الصباح" أهم محطات هذا الفنان الذي طبع ذاكرة الأجيال ووجدانها. إعداد: عزيز المجدوب ينساب صوته أجش في تسجيلات أغانيه المستخرجة من الأسطوانات والأشرطة القديمة، مختلطا بحشرجة لا تخطئها آذان أجيال من المغاربة تسافر بهم إلى زمن سحيق، كانت تنبعث فيها أغاني بناصر وخويا من أجهزة المذياع، ما بين لحظة العصر والأصيل، تضفي على مجلس العائلة، أو في لحظة عزلة قصية دفئا خاصا. نبرة صوت الفنان بناصر وخويا الخفيضة ظلت هادئة وبالخصائص نفسها في الأداء، وفي كل الأنماط التي أداها باللغتين الأمازيغية والعربية، في تناغم تام مع طبقة صوت الفنانة حادة أوعكي التي استمدت درجتها من اسمها. يتعلق الأمر بأشهر ثنائي غنائي منح للأغنية المغربية روحا أخرى، مستمدة من بيئة الأطلس، والأهازيج والمرددات الشعبية التي تزخر بها، وتركا لنا تراثا زاخرا أينما وليت أذنك يحاصرك بعشرات العناوين التي ما زالت ملء الأسماع، منها "العالم يا العالم" و"هو اللي سخى بيا" و"سالبة سالبة" و"آ ش جا يدير" و"حدو طنجة" و"مريضة وما كادة" و"والليلة الليلة" و"راه ديتو" و"إيناس إيناس" التي أعاد غناءها الراحل محمد رويشة وغيرها من الروائع بالعربية أو الأمازيغية. رصيد هائل من الروائع منها ما هو منتوج خالص للثنائي بناصر وخويا وحادة أوعكي، ومنها ما هو إعادة غناء بطريقة خاصة. النبوءة يتحدر بناصر وخويا من زاوية الشيخ بالأطلس المتوسط. هناك رأى النور سنة 1939 في بيئة ساعدته مبكرا على التشبع بأبجديات الغناء، وتلقي الأشعار، والعزف على آلات موسيقية متعددة. يستعيد الفنان عبد الواحد الحجاوي جانبا من هذه المرحلة ويستحضر حكاية، كان قد سمعها من بناصر وخويا شخصيا، مفادها أن بناصر وُلد لرجل مسن، وعندما كان طفلا حدث أن كان يبكي فنهره والده ليسكت بطريقة صارمة، فتدخل صديق له وقال له "لماذا تصرخ في وجه الصبي هكذا.. ستتصدر مستقبلا صوره جريدة "العلم" (وكانت وقتها أشهر جريدة في المغرب)، وستملأ أخباره كل الدنيا". كانت هاته العبارة بمثابة النبوءة التي ستتحقق في ما بعد، إذ سرعان ما وجد "بناصر فاسول" (وهذا اسمه الحقيقي) منجذبا إلى عالم الغناء والموسيقى، فتطورت مواهبه لدرجة أنه صار يغني في المناسبات الخاصة والأفراح بمنطقة زاوية الشيخ. الفارس المنقذ ابتداء من مطلع الستينات سيشكل فرقته الخاصة، التي ستغزو أعراس الأطلس المتوسط، وسيتمكن من تسجيل أولى أغانيه بالإذاعة الوطنية، في وقت كانت الأغنية الأطلسية تعيش أوج ازدهارها. وهنا يضيف عبد الواحد الحجاوي، في حديث مع "الصباح"، أن بناصر وخويا وضع أولى خطواته في إطار تجربة الثنائي مع الفنانة حادة أوعكي، نهاية الستينات وبداية السبعينات، لكن اسمه ترسخ أكثر خلال منتصف السبعينات بعد تعاقده مع شركة "بوسيفون" للأسطوانات التي بدأت في تسجيل وتوزيع إنتاجه الغنائي. ويقدم الحجاوي إضاءات على المرحلة التي ظهر فيها اسم بناصر وخويا قائلا إنها مرحلة اتسمت بنوع من "البلوكاج" عاشته الأغنية الأمازيغية الأطلسية خاصة بعد انقلابي مطلع السبعينات، وتورط بعض جنرالات الأطلس فيهما، وهو ما أرخى بظلاله على الأجواء السياسية وطبعها بنوع من الاحتقان، مع تراجع مظاهر الاحتفالات وانحسارها. وقبل ذلك، يضيف الحجاوي، كانت الأغنية الأمازيغية الأطلسية تعيش انتعاشة ملحوظة بفضل أسماء منها حمو أوليزيد (توفي في 1973) والغازي بناصر ومصطفى نعينيعة وغيرهم، ممن كانوا يؤثثون مسامرات الملك الراحل الحسن الثاني، أو في السهرات الخاصة لجنرالات الأطلس، وهو الأمر الذي سيأتي بنتائج عكسية بعد الأحداث التي هزت المغرب في تلك المرحلة. وسط هذه الظروف سيظهر اسم بناصر وخويا ليقطع حالة الاحتباس الفني الذي عاشته الأغنية الأطلسية، ويعيد إليها الروح بفضل وجوده آنذاك في البيضاء، إذ سيسجل العديد من الأسطوانات مع شركات الإنتاج، ويعيد إنتاج كل ما كان يعتمل في منطقة الأطلس من تراث غنائي استعاده بطريقته الخاصة، وأضاف عليه أشياء كثيرة، وكان بمثابة المحارب الذي كان بمفرده في الخندق والفارس المنقذ. شارك الفنان عبد الواحد الحجاوي مع بناصر وخويا في العديد من الألبومات، بعد أن التحق بمجموعته بعد تجارب خاصة ضمن المجموعات الغنائية، منها تجربة "أبابيل" التي تأسست بتوجيه من الراحل الطيب الصديقي الذي أراد لها أن تكون متميزة عن بقية مجموعات الظاهرة الغيوانية. حادة أوعكي... اللقاء الأسطوري تحكي الفنانة حادة أوعكي، في حديث سابق مع "الصباح"، عن ظروف لقائها مع بناصر وخويا قائلة "قادتني الصدفة إلى حفل أقيم بزاوية أيت إسحاق، من إحياء الفنان بناصر وخويا، وهو الحفل الذي كان يحضره مسؤولون كبار في المنطقة"، تقول أوعكي، قبل أن تضيف أنها طلبت من شاب كان يشتغل في القيادة إدخالها لمتابعة حفل وخويا رفقة مجموعته الغنائية "طلبتو باش نتفرج، قلت له (مازحة) راني مبلية"، نفذ الشاب طلبها، حسب ما أكدته أوعكي، ودخلت إلى مكان الحفل، دون أن تثير انتباه الحاضرين، وهناك بدأت الخطوة الأولى، في مسيرتها الفنية. تضيف أوعكي أنها دخلت إلى مكان الحفل في غفلة من الجميع، فوجدت بناصر رفقة مجموعته الموسيقية، يعزفون ويغنون أمام حضور كبار الشخصيات. ظلت أوعكي بالقرب من نساء كن يرددن بعض الأغاني، لتقوم بالشيء ذاته رفقتهن، معتقدة أن أحدا لن يلاحظها "للي كانوا كيقولوه كنقولو أنا، وخا ما كنت فاهمة والو". تقول أوعكي إن فنانة أحيت إحدى فقرات الحفل "ما بانتش قدامي"، وهو ما انتبه اليه بناصر لإمكانياتها الصوتية ومؤهلاتها. مباشرة بعد ذلك، فاجأها بناصر بمجموعة من الأسئلة، إذ لم يصدق في بادئ الأمر، حسب تعبيرها، أنها مرت من تجربة الزواج والطلاق لصغر سنها، فقرر مساعدتها من أجل تحقيق حلمها. لقاء أوعكي ببناصر غير حياتها وقلبها رأسا على عقب، فمباشرة بعد هذا اللقاء، بدأت تخطو حادة نحو عالم الغناء والشهرة، لتصير من أشهر الفنانين الأمازيغ. إذ تقول إنها، قبل نهاية 1969، التقت بناصر، مرة أخرى، واقترح عليها مرافقته إلى البيضاء والانضمام إلى مجموعته والاشتغال في أحد المحلات بعين الذئاب، فوافقت على خوض التجربة، سيما أنها كانت تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر. وبعد أزيد من 12 سنة ضمن تجربة الثنائي مع حادة أوعكي، انبثق عن هذه التجربة ثنائي آخر واصلت فيه أوعكي مسارها مع عبد الله الزهراوي، في الوقت الذي ظل فيه بناصر وخويا وحيدا، وبعد سنوات قليلة آثر الاعتزال والتواري عن الأنظار. حظي بناصر وخويا بعدة تكريمات في حياته منها تكريم في عيد الموسيقى العالمي سنة 2013، حيث احتفى به المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، بمقرّه بالرباط، كما خصّصت له قناة "تمازيغت" الرسمية عبر برنامج "إزوران" حلقة حول فنه ومساره وحياته، تتضمن حوارا بمسقط رأسه. ومن بين التكريمات كذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تكريم في 2019 خلال الدورة السابعة من مهرجان "تسليت: ملتقى الثقافات"، جمع بناصر مع حادة أوعكي. أحلام تتحقق تقول أوعكي، إنه بفضل بناصر، استطاعت تحقيق حلمها والذي من أجله وقفت في وجه الكثير من العراقيل ورفض والدها دخولها عالم الغناء. بعد أول لقاء جمعها ببناصر، التقيا مرات عديدة، وخططا لتنتقل إلى البيضاء، حيث ستقف أمام جمهور حقيقي، وليس أمام أبناء منطقة للغناء. كانت سنة 1969، مميزة في حياة أوعكي، إذ خلالها، بدأت خطوتها الاحترافية الأولى في عالم الغناء، لتطلق، سنة بعد ذلك، أي 1970 أول أغنية جمعتها ببناصر وهي أغنية "العالم" والتي ما زالت يتغنى بها إلى اليوم، وراسخة في أذهان الكثير من المغاربة. ولأن مجموعة أيت بناصر كانت من أشهر المجموعات الغنائية المغربية، حالفها الحظ للقاء الملك الراحل الحسن الثاني. تقول أوعكي، إنه خلال 1970، كانت المجموعة من بين الفرق التي اختيرت لتقديم فقرات غنائية أمام الراحل حسن الثاني في قصر الصخيرات، قبل أن تضيف أنها ظلت، رفقة أعضاء المجموعة الغنائية، داخل القصر حوالي 15 يوما "كانت أياما استثنائية، لم أكن أتصور يوما أن أغني أمام الملك الحسن الثاني، كلنا وشربنا وتبرعنا"، حسب تعبيرها. تذكرت أوعكي، اليوم الذي خاطبها فيه الملك الحسن الثاني، بحضور الأمير مولاي عبد الله، وقال لها، قبل أن تبدأ في الغناء "أرا ما قالوا أ حادة"، مضيفة أنها كانت سعيدة بالغناء أمام الحسن الثاني، والاهتمام الذي حظيت به مجموعتها الغنائية طيلة مدة إقامتهم بالقصر الملكي. لم تتوقف مسيرة أوعكي، عند ذلك الحد، إذ تذكرت خلال رحلة العودة إلى الماضي، المرة الأولى التي غادرت فيها التراب الوطني، من أجل إحياء سهرات خارج أرض الوطن، وهو الحلم الذي لم تكن تتوقع أن يتحقق يوما ما "خلال 1974 أحيت مجموعتنا سهرة فنية بباريس، فقد كانت المرة الأولى التي أغادر فيها المغرب، كانت سهرة مميزة من تنظيم وزارة السياحة". عيدون: نجاح وكفاءة يقول الباحث الموسيقي أحمد عيدون، في حديث مع "الصباح"، إنه "رغم أن الفنان الراحل بناصر وخويا استهل مساره الفني في 1961 لكن عموم المغاربة لم يتعرفوا عليه إلا في سبعينات القرن الماضي خصوصا حين ارتبط اسمه بشادية الأطلس الفنانة حادة أوعكي. وتعود شهرة هذا الثنائي إلى أنه جلب اهتمام عموم المغاربة عربا وأمازيغ. وهذا النجاح يعود، من جهة، إلى كفاءة هذا الفنان، ومن جهة أخرى، إلى انتقاله للعمل في ملاهي البيضاء وضرورة إرضاء أذواق مختلفة. مع حادة أوعكي كان اختيار المضامين يجمع بين الأنماط الشعبية المتداولة والمزاوجة بين العربية الدارجة والأمازيغية في فترة كانت شركات الأسطوانات "الكاسيط" نشيطة في مغرب السبعينات والثمانينات قبل أن تكبح جماحها آفة القرصنة وقبل ظهور وسائط أخرى حولت مجرى الذائقة الفنية. ومن بين الأغاني الأمازيغية "مشي يعما بضاض" (أعماني الحب) حيث يوصيه الطبيب بمعاشرة "الزين" والطبيعة المتمثلة في الجبل حيث يقول: "إنايي وضبيب أيونو وراش إليق أيونو غاس الزين ذ عاري". بناصر وخويا الذي اشتهر عازف إيقاع في رقصة أحيدوس تمكن من إجادة العزف على "لوتار" ثم الكمان، كما احتفظ مثل أي فنان أصيل في الأطلس المتوسط على موهبة في تأليف الأغاني وصياغة القوافي. ورغم انتهاء تجربة الثنائي بناصر وخويا وحادة أوعكي، فما زال جمهورهما يتذكر تسجيلاتهما بكل تقدير وحنين".