حسن هموش يبحر في سيرة الكناوي وأيقونة ناس الغيوان صدر حديثا للكاتب والباحث حسن هموش الصويري كتاب بعنوان "عبد الرحمان باكا: رحلة الحال والبركة" عبارة عن غوص في مسار الفنان الراحل الذي يعد من أيقونات مجموعة ناس الغيوان الأسطورية. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" في عوالم هذا الكتاب الذي خطته أنامل كاتب صويري جمع فيه بين الشغف الخاص بمدينة الرياح، وأسوارها وفضاءاتها وشخوصها التي يعد الراحل باكا امتدادا لروحها، وبين الرغبة في تدوين سيرة مغايرة لهذا الفنان. إعداد: عزيز المجدوب خلف عينيه الساهمتين، كان يسكن الحال، ومع حركاته الراقصة وهو يتجاوب مع الأنغام والإيقاعات، كان يتبدى عبد الرحمان باكا لجمهوره مثل كائن قادم من عوالم الجذبة وملوكها، خارجا لتوه من غمامة بخور مشبع بعبق العوالم الغرائبية. يصر حسن هموش، على امتداد فصول الكتاب، على استعمال لقب "باكا" عوض "باكو" المعتاد في أوساط جمهور ناس الغيوان، وهو اللقب الذي يردده معظم الصويريين وهم يستحضرون ابنهم البار، مفتخرين بأنه ينتمي لمدينتهم ويعكس روحها التي وصل بها نحو العالمية، رغم أنه لا توجد قاعدة لغوية تحكم اللقب في صيغتيه. ربما هي الخصوصية الصويرية للاستفراد. تولى المنتج المسرحي والسينمائي السعودي علي عباس الصناع نشر الكتاب، وتحرير مقدمته إذ قال "خلال زياراتي الكثيرة للمغرب في التسعينات اكتشفت أول مرة أن هناك أنماطا متعددة ومتنوعة نابعة ومتجذرة في أعماق التراث المغربي الأصيل مثل موسيقى كناوة والملحون وعيساوة والموسيقى الأمازيغية، وفرق غنائية مثل فرقة جيل جيلالة وفرقة تكدة والسهام وغيرهم". وأضاف الصناع "لكن تظل مجموعة ناس الغيوان التي تأسست في 1970 هي الأهم والأكثر شعبية لدى معظم جيل تلك الفترة، (...) وكان عبد الرحمان باكا والذي اشتغل لفترة قصيرة مع مجموعة جيل جيلالة وبعد انضمامه لفرقة ناس الغيوان كان له أثر كبير في إثراء المجموعة بالتراث الكناوي المحلي والإفريقي والعيساوي حيث تأثر بعالم الموسيقى الصوفية التي كانت جزءا من التراث الغنائي للصويرة". من "أهل أكادير" كانت البداية يجمع حسن هموش في أسلوب حكيه بين المعيش اليومي وتدوين أجزاء من سيرته الذاتية، في سعيه نحو جمع عناصر من سيرة عبد الرحمان قيروش، الشهير ب"باكا"، ويشرك معه القارئ في تجواله بين أزقة ودروب المدينة العيقة للصويرة مدونا كل صغيرة وكبيرة، وكل ما تراه عيناه، أو يتداعى إلى ذاكرته التي تنتعش مع التجوال في مراتع الصبا. يتسلل هموش بين أزقة حومة "أهل أكادير" وهنا يقول "تهمس لي أن قاطنيها الأولين استقدمهم السلطان سيدي محمد بن عبد الله من سوس من أجل الإعمار والتجارة التي عرفوا بها، فكان أحد أجداد عبد الرحمان قيروش تاجرا للملح عبر القوافل التجارية لتجار السلطان إلى "تومبوكتو" لمقايضتها بسلع أخرى منها العبيد الذين سيشكلون النواة الأولى لطائفة كناوة بالصويرة". ويضيف هموش "هنا بهذا الحي ازداد عبد الرحمان ذات ليلة من ليالي 1948، ولعب بدوربها، وبجامع "لالة عزونة" تعلم الحروف الهجائية العربية وسور من القرآن الكريم (...) غادر فصول الدراسة في مرحلة الإعدادي صوب دكاكين النجارة والنقش على خشب العرعار، ليجد هذا المجال خصبا لملاقاة معلمي كناوة ليتعلم أصول تاكناويت من أساتذتها الكبار". ويستحضر هموش علاقة الفتى عبد الرحمان بالمعلم الحداد أحمد شباظة، الذي لقنه مبادئ تاكناويت، خاصة أنه كان يكتري محلا من والده عبد القادر الكبادي قيروش، وكان يكلف ابنه بأخذ واجب الإيجار من المعلم ليجد نفسه منجرفا خلف عوالم الأنغام الروحانية. ويقول الكاتب "سلم المعلم أحمد آلة السنتير لعبد الرحمان لكي يحضنها مبكرا وتحضنه أنغامها، بعدما وجده مفعما بالحال ليصاحبه إلى "الليلات" التي كان يحييها، ويسلمه في البداية آلة "القراقب"، وبعد أن لاحظ استجابته لكل التوجيهات المقدمة إليه، وأظهر استعدادا لتلقي دروس تاكناويت بكل طقوسها الغريبة رغم حداثة سنه سلمه المشعل، وكان جديرا بحمل لقب معلم كناوي للتغلغل في عالم حسم أمره عبد الرحمان بعد وفاة والده الذي كان يعارض ذلك". اختبار "ملك الحنش" كان الفتى عبد الرحمان حريصا على حضور "الليلات" الكناوية التي كان ينظمها خاله الملقب ب"الشحيمة" ببيته، وبحكم أنه كان أبيض البشرة فقد كان المعلمون يمنعونه من الاقتراب من السنتير للعزف عليه، ومع إصراره المتوالي قرروا أن يمتحنوه عندما دخل شخص رحبة الجذبة، أي في غمرة الانتشاء بالأنغام الكناوية، فكان لا بد للعازف الكناوي أن يعزف له ما يصطلحون عليه بينهم "ملك الحنش" وهو مقام صعب ومعقد لا مجال فيه للخطأ وإلا يصاب الشخص الذي يرقص عليه بمكروه. جلس باكا إلى جانب المعلم الكناوي وقد استلم منه آلة السنتير وبدأ يعزف والعرق يتصبب من جبينه، أمام انبهار الحاضرين بقدرته على تطويع هذه الآلة لهذا المقام الصعب، وبعد مدة قصيرة بدأ الرجل يزحف على الأرض مثل ثعبان، إلى أن أغمي عليه، ليجتاز باكا الاختبار العسير بنجاح وينتزع اعتراف الطائفة بمهارته وبقدرته على قيادة الليلات الكناوية. تقريب تاكناويت من الأجانب لم يتجاوز عمر باكو سن الثامنة عشرة حتى شكّل فرقة خاصة به مكونة من شباب مدينة الصويرة، ذاع صيتها سريعا، خاصة أنها كانت تحيي "الليلات" في البيوت وكذلك في الهواء الطلق أي خلال المسامرات الليلية على الشواطئ المجاورة للمدينة، منها شاطئ الديابات الذي أصبح خلال منتصف الستينات مقصدا للسياح الأجانب والهيبيين على وجه التحديد. وكان عبد الرحمان نجما فوق العادة وسط مسامرات الهيبيين، الذين أبدوا شغفهم بالسحر المنبعث من بين أنامله وهي تنتقل بمهارة بين أوتار "السنتير". وخلال الفترة نفسها حل بمدينة الصويرة الباحث الفرنسي "جورج لاباساد" الذي كان بصدد إعداد بحث عن فن كناوة، فتعرف على عبد الرحمان الذي اصطحبه لحضور "الليلات" بالزاوية. ولم يقتصر الأمر على "لاباساد" فقط، بل تعداه إلى اصطحاب أفراد من فرقة "ليفينغ تياتر" التي حلت رفقة رئيسها "جوليان بيك" بالصويرة، هذا الأخير تعرف على باكو والتقاه لأول مرة بمقهى شهيرة بوسط مدينة الصويرة تدعى "كافي هيبي"، ستصير في ما بعد فندق "رياض المدينة". وجرى الاتفاق بين عبد الرحمان قيروش وجوليان بيك على تنظيم "ليلة" كناوية "شاخدة" حضرها أزيد من 25 كناويا، إضافة إلى أعضاء فرقة "ليفينغ تياتر" البالغ عددهم 50 فردا، وكان فيها عبد الرحمان النجم الأبرز بعد أن أستأثر باهتمام أعضاء الفرقة الذين تجاوبوا حد "التحيار" مع عزف باكو. وسعى جوليان بيك إلى توظيف "سنتير باكو" في العديد من الأعمال المسرحية لفرقة "ليفينغ تياتر" التي وجدت في أسلوب عبد الرحمان الكناوي ضالتها المنشودة، خاصة أنها فرقة تعتمد بشكل كبير على تكامل البعدين الروحي والجسدي. ومن خلال علاقته ب"ليفينغ تياتر" سيتعرف عبد الرحمان على زوجته الأولى "سوزان" التي كانت عضوا ضمن الفرقة المسرحية، كما كانت إحدى المعجبات ب"تاكناويت" كما يقدمها عبد الرحمان، وهي التي كانت وراء تلقيبه "باكو" عوضا عن "قيروش" وهو لقبه العائلي، بعد أن انتبهت إلى أنه كان يسوي أوتار "السنتير" على لفظتي "با" و"كو". ومن خلال هذه الفرقة تعرف باكو على النجم العالمي دجيمي هندريكس الذي زار الصويرة، نهاية الستينات، ليلتقي بعض أصدقائه بالفرقة، وجمعتهما مسامرات فنية كناوية، جعلت هندريكس يلقب باكو ب"طبيب الأرواح". بحر الغيوان وهو ما تم فعلا إذ التحق باكو بمجموعة جيل جيلالة، لمدة قصيرة وسجل معها أول أعمالها مثل "لكلام لمرصع" و"العار أبويا" قبل أن ينفصل عنها لأسباب فنية. ظهور باكو الخاطف مع "جيل جيلالة" لم يكن ليمر دون أن يثير انتباه شخص متيقظ مثل المرحوم "بوجميع" الذي عمل على استقطاب عبد الرحمان بعد انفصاله عن جيل جيلالة، وعوض به مكان الفنان عبد العزيز الطاهري الذي انتقل بدوره إليها. وبعد التحاق عبد الرحمان باكا بناس الغيوان، شعر بنفسه مثل السمكة التي عثرت على "بحرها"، إذ سرعان ما اندمج في فلسفة المجموعة وأغنى مسار تجربتها بلمسته الكناوية كما يبدو ذلك جليا من خلال انطباع جل أعمالها بهذا اللون الموسيقي. كان العمل الأول الذي قدمه مع مجموعة "ناس الغيوان" هي رائعة "غير خوذوني"، لكن فرحة الانضمام إلى المجموعة لم تتم إذ سرعان ما اختطف الموت "دينامو الغيوان" المرحوم بوجميع وسنه لم يتجاوز الثلاثين، الأمر الذي كاد يعصف بمستقبل المجموعة الفني، التي تبين أنها كسبت وجها جديدا سرعان ما سيبرهن على أنه قادر على ضمان تماسكها إلى جانب باقي أفرادها الآخرين. وعلى مدار أزيد من 25 عشرين سنة ساهم عبد الرحمان باكو في رسم معالم التجربة الفنية لمجموعة ناس الغيوان بحضوره "الكناوي" الذي أضاف بعدا آخر إلى التجربة وفتح أمامها أفقا جديدا لم يفتحه شخص آخر سواه.