عبد الواحد كنفاوي تدور حرب تجارية طاحنة في الأحياء الشعبية بين الفاعلين في شبكة تجارة القرب الحديثة، إذ عرفت بعض الأحياء افتتاح عدد من هذه المحلات العصرية، التي أنشئت بناء على دراسات سوق وتعمل وفق نماذج اقتصادية ومالية مدروسة ويديرها خريجو معاهد عليا في التجارة وتتوفر على مصادر تمويل ضخمة، بالنظر إلى أنها تابعة لمجموعات تجارية كبرى، وطنية وأجنبية. وأثار هذا التسابق المحموم من أجل الحصول على مواقع داخل مختلف المناطق السكنية الشعبية مخاوف حول مصير تاجر القرب التقليدي "مول الحانوت"، الذي لا يمكنه، بإمكانياته المتواضعة، وبناء على كل المقاييس، مجاراة رؤوس الأموال الكبرى التي عبئت، من أجل إنشاء شبكة تجارة القرب الحديثة. لكن وعكس كل التوقعات، تمكن التاجر البسيط من الحفاظ على حصته في السوق وتقليل الأضرار، إذ أن نصيبه تقلص بحوالي 8 نقط مائوية، ليستقر عند 80 في المائة، ما يعد إنجازا في حد ذاته، بالنظر إلى الميزانيات التي تتوفر عليها محلات الشبكة الحديثة للترويج والإشهار لمنتوجاتها. ويكمن سر هذا الصمود، بالدرجة الأولى، في النموذج الاقتصادي الذي تسير وفقه هذه المحلات التقليدية، والمبني أساسا على العلاقات الاجتماعية، إذ أن "مول الحانوت" ليس تاجرا بالمعنى الحديث للكلمة، فقط، بل يمثل الممول الرئيسي للنفقات الطارئة للأسر، كما أنه يبيع بالسلف، ما يتيح لأرباب الأسر توفير مستلزماتهم الغذائية والأداء لاحقا. وأفادت دراسة أنجزتها وزارة الصناعة والتجارة أن 30 في المائة من ديون محلات التجارة التقليدية لا علاقة لها بالمنتوجات، بل تتعلق بقروض مالية دون فوائد. كل هذه الخدمات التي يقدمها "مول الحانوت" لا يمكن أن توفرها شبكات التجارة الحديثة، التي تسير وفق نموذج عصري لا يأخذ بعين الاعتبار البعد الإنساني والاجتماعي في العملية التجارية، ولا يستند في حساب الربح والخسارة على المحددات ذاتها، التي تشتغل بها المحلات التقليدية. لكل هذه الأسباب تمكن التاجر البسيط من مسايرة عمالقة التجارة، لأن نموذجه يتجاوز عملية البيع والشراء، ليرتقي إلى تجارة اجتماعية تأخذ بعين الاعتبار في العملية البعد الإنساني. لكن، لا يعني ذلك، أن هذه المحلات ستظل في منأى عن أي مخاطر، لأن انتشار محلات شبكة تجارة القرب الحديثة سيضر، لا محالة، بمصالح التجار الصغار، في المديين المتوسط والبعيد، ما لم يتم الإسراع في تحديد مخطط لعصرنة تجارة القرب التقليدية، مع الحفاظ على طابعها الإنساني والاجتماعي، من خلال التفكير في تنويع مصادر دخل هذه الفئة من التجار، التي تساهم في تحقيق السلم الاجتماعي، بتمكينها فئات اجتماعية من السيولة المالية في الظرفيات الصعبة، علما أن أغلبها لا يجد طريقا إلى مصادر التمويل العصرية. صحيح أن البعد الإنساني والاجتماعي مكن أصحاب هذه المحلات التجارية التقليدية من الصمود، لكنه لا يكفي وحده لمواجهة المجموعات الاقتصادية الكبرى.