بقلم: يونس مجاهد تعتبر الإشاعة أقدم وسيلة إعلام في العالم، كما يقول الباحث جون نويل كابفيرير، في كتابه حول هذا الموضوع، الذي يحلل فيه التعريفات المختلفة للإشاعة وآليات انتشارها وحياتها وموتها، عبر نماذج وأمثلة مما حصل في مختلف المجتمعات، ويعتبر هذا الباحث الذي أصدر الكتاب في نهاية ثمانينات القرن الماضي، أن الإشاعة لدى البشرية ارتبطت بترويجها من الفم للأذن. غير أن انتشار وسائل الإعلام، وبعدها شبكات التواصل الاجتماعي، ضاعف ملايين المرات، تأثير هذا الشكل من الإشاعة، حيث أن رواجها الرقمي خلق عالما جديدا، من الأخبار الكاذبة والدعاية المضللة، التي استوحت من الإشاعة التقليدية، آلياتها، وطورتها وأضافت إليها أساليب وحيلا وتفننا، للتدليس على الجمهور، إذ تحول ما أسماه الكاتب الفرنسي فيكتور هيغو، دخان الضجيج، إلى نار حارقة، تنتشر بفضل رياح التواصل الرقمي العاتية، أكثر بكثير من الأشكال الأولية للإشاعة، التي عرفتها البشرية. ويجمع الباحثون الذين اشتغلوا على هذا الموضوع، أنه من المستحيل أن تنتهي يوما لدى البشرية، الإشاعة والأخبار الكاذبة والدعاية المضللة، رغم أنهم يضعون تعريفات مختلفة لهذه النماذج الثلاثة، لكن ما يجمع بينها هو التمويه، بهدف خداع الجمهور والتأثير عليه. وكما يقول كابفيرير، فإنه من الصعب التمييز بين الإشاعة العفوية والإشاعة المغرضة، لأن الاثنتين بدون مصدر، لذلك لا يمكن التأكد، هل هي عفوية، أم أن من روجها كان يستهدف غرضا معينا. لذلك سيظل خداع الجمهور، عبر مختلف الوسائل، مرتبطا بتاريخ البشر، الذي لديه استعداد نفسي، كما تؤكد الدراسات المتخصصة في هذا المجال، لتقبل ما قاله المسيح عليه السلام، «طوبى للذين آمنوا ولم يروا». وككل المجتمعات، فإن المجتمع المغربي بدوره، انتشرت فيه الإشاعات «التقليدية»، من الفم للأذن، وتنتشر فيه اليوم أيضا، الإشاعة عبر بعض وسائل الإعلام، وبواسطة التواصل الرقمي، الذي يضخم الرواج والتأثير، وهو ما سهل مهمة الذين يستهدفون بعض الأشخاص أو بعض المؤسسات، حيث أصبح متاحا أكثر من السابق، إشاعة التضليل والأخبار الكاذبة، التي تحولت إلى سلاح في يد الجهات المعادية، لمحاولة زرع الشك وتشويه الصورة، في إطار عمل ممنهج ومنظم. وإذا كان من المستحيل القضاء على هذه الآفات، فإن مختلف الباحثين الذين اشتغلوا على هذه الموضوعات، يعتبرون أن الصحافة الجيدة، من بين الوسائل الناجعة لمحاربة التضليل، كما أن التربية على الإعلام، في التعليم وفي وسائل الاتصال الجماهيرية وعبر شبكات المجتمع المدني، يمكنها أن تقلص كثيرا من التأثير السيء للأخبار الكاذبة، إشاعات كانت أم دعايات مغرضة، لأن تطوير معارف الجمهور، عبر القراءة والتكوين وتطوير قدرات التحليل والفكر النقدي، من شأنها أن تساهم في تحصين المجتمع من تداعيات هذه الآفات. يشهد العالم ثورة تواصلية، تكاد تفوق كل الثورات الأخرى التي عرفتها البشرية، وليس هناك من سلاح لمواجهة الأضرار الجانبية لهذه الثورة، سوى استعمال العقل البشري، الذي ينبغي أن يرتقي إلى مستوى التحدي المطروح عليه، من قبل الآلة والخوارزميات، وذلك بسلاح التربية. ففي عالم المستقبل كما تنبأت بذلك مدرسة «بالو ألتو» في كاليفورنيا، في أربعينيات القرن الماضي، ستكون الأخبار هي المواد الخام الأولى في المجتمعات. وقد استفادت الصناعة الرقمية كثيرا من أبحاث هذه المؤسسة التي تسمى «المدرسة اللامرئية»، التي جمع فيها الباحثون من مختلف تخصصات العلوم الإنسانية والدقيقة، إذ لم تأت هذه الثورة، إلا على أكتاف العلماء، لكن التجارة الرأسمالية حولتها إلى سلعة لا تبقي ولا تذر، وعلينا أن نهيئ أنفسنا جيدا لتداعياتها.