انقطاع التيار الكهربائي وفيضان قنوات الصرف الصحي ومغاربة يرددون "الحديد الرقيقة" يتكرر، كما في كل موسم للأمطار، المشهد نفسه في مختلف جهات المغرب: طرق تغمرها المياه، وأحياء تغرق في الأوحال، وشبكات تصريف غير قادرة على تحمل أول التساقطات، وانقطاع للكهرباء يعيد بعض المناطق إلى العصور البدائية. مشاهد مألوفة لا تفاجئ أحدا، لكنها في كل مرة تثير موجة من الغضب والتساؤلات حول مصير الملايين التي تصرف سنويا على البنية التحتية، والمراقبة التي من المفترض أن تضمن جودة الأشغال، بل أصبحت زخات الأمطار أقوى من تقارير المجلس الأعلى للحسابات ولجان المراقبة. في البيضاء، تسببت التساقطات التي شهدتها المدينة، مساء أول أمس (السبت)، في قطع التيار الكهربائي عن حي «كاليفورنيا»، بينما غرقت منطقة «المكانسة» في مياه الصرف الصحي بعد فيضان القنوات، مما أدى إلى شلل شبه تام في حركة السير وإغلاق الطريق، والمشهد نفسه تكرر في مدن أخرى، حيث تحولت الشوارع إلى أنهار، والأحياء الشعبية إلى مستنقعات تعيق حياة السكان، الذين لم يجدوا سوى مواقع التواصل الاجتماعي لتوثيق مأساتهم ومساءلة المسؤولين عن هذا الإهمال المزمن. ما حدث في الأيام الأخيرة لم يكن مفاجئا، فكل موسم شتاء يأتي محملا بالفضائح نفسها، ومع ذلك، يستمر غياب المساءلة والمحاسبة، علما أن هذه الأمطار لم تكن استثنائية في قوتها، لكنها كانت كافية لكشف ضعف البنية التحتية، وفضح الغش في المشاريع العمومية، والتلاعب في دفاتر التحملات. ورغم أن البلاغات الرسمية تتحدث دائما عن «جاهزية المدن» و»تحسين شبكات الصرف»، فإن الحقيقة تظهر مع أولى الزخات، حيث تنهار الطرق وتطفو المياه القذرة، في دليل واضح على أن المشاريع المنجزة لا تحترم المعايير المطلوبة. المثير للدهشة أن هذه الفضيحة ليست وليدة اليوم، بل تتكرر سنويا بالتفاصيل نفسها تقريبا، مما يطرح تساؤلات حول دور لجان المراقبة والتفتيش، فكيف يتم تسليم مشاريع يفترض أنها خضعت للمعايير التقنية المطلوبة؟ وأين يذهب المال العام الذي يخصص لهذه الأشغال إذا كانت الطرق تنهار بعد بضعة أشهر فقط من إنجازها؟ في كل موسم للأمطار، تتغير أسماء المدن المتضررة، لكن المشاكل تبقى نفسها، فهناك مشاريع مغشوشة، وبنية تحتية هشة، وتصريحات رسمية تحاول امتصاص الغضب، وبدل الاعتراف بالخلل، تسارع الجماعات المحلية إلى إصدار بلاغات تتحدث عن «تدخلات سريعة لإزالة الأوحال وإعادة فتح الطرق»، وكأن المشكلة تكمن فقط في تنظيف الطين، وليس في الغش الذي تسبب في هذه الكارثة. وفي ظل هذا الواقع، وجد المواطنون أنفسهم مضطرين للجوء إلى السخرية للتعبير عن غضبهم، حيث تداول نشطاء مقاطع توثق للفيضانات، متسائلين عن مدى قدرة مدن مثل البيضاء وطنجة على مواجهة قطرات من الماء، والأسئلة التي تطرح كل سنة لا تجد أي إجابة حتى الآن: متى سيتم إلزام المقاولات التي تنجز المشاريع العمومية بمعايير الجودة الحقيقية؟ فمتى تتم محاسبة المسؤولين عن هذه الاختلالات، بدل الاكتفاء بإجراءات ترقيعية، التي لا تصمد أمام أول زخة مطرية؟ وهل سنكتفي بترديد «الحديد الرقيقة ...الرملة تربا.... القنطرة الكذبا». خالد العطاوي