كيف ترى جناية الاتجار في البشر؟ > إن جناية الاتجار في البشر من أقدم الجرائم التي ظهرت في المجتمعات البشرية، إذ اتخذت في البداية شكل تجارة العبيد والجواري ودور الدعارة والبغاء، قبل أن تتدخل الأديان لتحريمها، ومن بعدها التشريعات الحديثة، التي اعتبرتها جريمة يعاقب عليها القانون، فأنهت بذلك نظام العبودية وجرمت استغلال النساء جنسيا. ومع التطور الذي عرفته المجتمعات، ظهرت أشكال جديدة لجريمة الاتجار في البشر، منها استغلال الهشاشة والفقر والحاجة لتحقيق مصالح خاصة أو الاستمتاع بأجساد النساء، أو استغلال مرضى في تجارب طبية أو بيع أعضائهم، ثم إجبار الضحايا على أعمال السخرة والهجرة السرية، وغيرها من الأشكال. البعض قال إن الجناية ما زال يلفها غموض ولبس في التنزيل، هل هذا صحيح؟ > حاول المشرع تعريف جريمة الاتجار في البشر، في الفقرة الأولى من المادة 448 من القانون الجنائي، والتي لا يسعنا المجال لذكرها لطولها، ورغم أنه سعى أن يكون دقيقا في صياغتها وتحديد مفاهيمها، إلا أنه لم يوفق في ذلك، وجعل هذه المفاهيم تتضمن مجموعة من المصطلحات المبهمة والفضفاضة، ما أثار ارتباكا للقضاء في تنزيلها. وبالعودة إلى الفصل 448 من القانون الجنائي، نجد أن المشرع تشدد في العقوبة، والتي قد تصل في الحال العادية، حسب الفقرة الأولى، إلى 10 سنوات سجنا وغرامة 500 ألف درهم، وترفع العقوبة إلى 20 سنة سجنا، ومليون درهم إذا اقترنت بظروف مشددة، ولم يقف المشرع عند هدا الحد، بل حدد 30 سنة سجنا و6 ملايين درهم عقوبة، إذا كان ضحايا الجريمة قاصرين أو من ذوي الوضعيات الخاصة وكبار السن، وإذا ارتكب الجريمة من قبل شخص معنوي، تصل العقوبة المالية إلى 20 مليون درهم. يلاحظ أن متهمين يتابعون بهذه الجناية ويبرؤون منها في ما بعد، ما قولك؟ > ما يلاحظ أن القضاء تارة يكون متشددا في المتابعة متهمين بالاتجار في البشر، وتارة متساهلا معهم، فسلطة تكييف والملاءمة تكون موكولة إلى الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف، فمثلا في قضايا الهجرة السرية، رغم أن النيابة العامة تتابع المتورطين بالاتجار في البشر، إلا أنه في قضايا مشابهة تسقط هذه التهمة عنهم، ويتابعون بجنحة إعداد وتنظيم الهجرة السرية، رغم أن نشاط شبكات "الحريك"، حسب رأيي الشخصي، تتوفر فيها جميع العناصر التكوينية للجريمة الاتجار في البشر، في حين نجد هذه الجريمة تطبق بشكل صارم ومشدد في قضايا أخرى، من قبيل ملف الدكتور التازي بالبيضاء، إذ بعد أن توبع بها، تم إسقاطها عنه في النهاية. ورغم كل هذا نشيد بالمشرع والقضاء المغربي اللذين يقفان سدا منيعا في وجه المجرمين ومعاقبتهم لما يشكلونه من ضرر كبير للمجتمع عبر استغلال بني جنسهم والاتجار بهم، لتحقيق أرباح مالية، ضاربين عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية والإنسانية. أجرى الحوار : مصطفى لطفي * محام بهيأة الرباط