fbpx
خاص

عمار الجندي الذي مارس السياسة في سجون بوليساريو – الحلــــــــــــــــــقة 6

حضر الجنرال العماري لاستقبال ابن لادن وبوليساريو أعدت جملا مشويا للضيف

هناك… تبدو كلمة مغربي، مرادفا ل”عدو”، لكيان يمكن تجريده بكل قسوة من إنسانيته، من كرامته. وهي أيضا معادل لإشارة تعذيب: اضرب، احرق، اقطع، نكل…ابصق…اقتل…وهذا ما عاشه جنود مغاربة احتجزتهم جبهة بوليساريو أزيد من عشرين سنة… هنا… تبدو كلمة إنصاف، مرادفا ل”مستحيل”، لفعل يمكن تعويمه في بحر الوعود، وإغراق جثته في بركة أكاذيب، وهي أيضا معادل لإشارة
إقصاء: “خونة”، “سير وآجي”، “إهمال”، “إحباط”…وهذا ما عاشه الأسرى المفرج عنهم من معتقلات بوليساريو بعد حوالي سبع سنوات من عودتهم إلى أرض الوطن… هذه…خلاصة
حكاية رجال قادهم سوء الطالع إلى سجون مرتزقة بوليساريو والجزائر، واختارتهم الأقدار ليفرغ فيهم الحاقدون سم هزائمهم وكراهية فشلهم وغل عجزهم عن إنجاح مؤامرة
الجزائر وربيبتها “بوليساريو”. حكاية يرويها عمار فنيد، أحد أقدم أسرى المعارك التي افتعلتها الجزائر، وقادها مرتزقة بوليساريو. يحكي عمار عن علاقة أسامة بن لادن
بجنرالات الجزائر، وعلاقة جورج حبش بالبوليساريو وياسر عرفات ووزراء دفاع إيرانيون ودانيال متران، وعن علاقات مع مافيات مواد التموين لتهريب
الأسر المحتجزة، وعن جنود مارسوا السياسة من أجل الوطن، والتعذيب وعن اغتصاب ضابط موريتاني أمام 7000 تلميذ ورمي مغاربة
يحتضرون في الخلاء حتى تجف أجسادهم ولا تدفن جثثتهم.

التعذيب، الوحشية، وكل الأقدار التي رسمتها بوليساريو لأسراها، لم تكن لمتنعهم عن متابعة ما يجري في ساحة العدو. حفظوا أساليبه، تكتيكه، أسماء قياداته، بل حتى أولئك الذين رسم لهم الكبار القيادة في وهم المعارك المستقبلية. عرفوهم وهم بعد صغار. تتبعوا تفاصيل الزيارات الغامضة أحيانا والمكشوفة أحيانا أخرى، بل تحدثوا أحيانا إلى الزوار.
ومن بين الزيارات الغامضة التي يحكي عنها عمار، زيارة أسامة بن لادن لمخيمات تندوف، «ربما في سنة 1990 أو 1991. أذكر هذا الحدث جيدا، إذ كنت من بين الأسرى الذين أعدوا للزيارة، فطبعا كنا نستغل في الأعمال الشاقة، وعندما تحضر أي وفود فنحن بالنسبة إليهم الخدم، المهم في ذلك اليوم حضر الجنرال الجزائري العماري ومعه بعض الضباط السامين. حضر جمل كوجبة على شرف الضيف الذي لم يكن سوى أسامة بن لادن، وأعد الجمل على الطريقة الصحراوية أي بشيه على النار. أعدت جيدا الخيام التي سيستقبل فيها بن لادن ومرافقوه». تتبع عمار خيوط هذه الزيارة الغريبة، ولم يكن حينها يعرف شيئا عن بن لادن أو عن المشروع المقبل للرجل المطلوب عالميا، «كان هناك كلام كثير، وارتباك. المهم بدا أن أمرا مهما سيحدث بالفعل، لكن فجأة غادر العماري المخيمات، وترك محمد ولد يسلم وقبطانا في الجيش الجزائري، ليقوما مكانه باستقبال أسامة بن لادن، وبالفعل في التاسعة مساء وصلت سيارة «طويوطا». كان يحمل سلاح «كلاشنيكوف»، نزل من سيارته وسأل أين العماري؟ قيل له إن القبطان هو من سيستقبله وليس العماري، فركب فورا سيارته وأمر رفاقه بالمغادرة دون أن يضيف كلمة واحدة. وبدا واضحا أن الجزائر تخلت عنه في آخر لحظة، وبدا أنه غاضب جدا. لم يسلم على القبطان، بل صافح مدير النخيلة آنذاك ولد يسلم، فألغي  حفل العشاء، ولا ندري بعدها ما جرى رغم أنه بدا أن هناك توترا كبيرا وأن شيئا ما سيقع أو وقع بالفعل».
ومن الزيارات التي أتت بأكلها بالنسبة إلى الأسرى المغاربة، زيارة دانيال ميتران، «جاءت ممثلة لمنظمتها الحقوقية، وكانت معها كاتبتان إحداهما تونسية والثانية مصرية. طلبت اختيار خمسة أسرى ليمثلوا الآخرين، كنت من بينهم، جلسنا أمامها على كراس. كانت المترجمتان التونسية والمصرية تقومان بمهمتهما، رفعت يدي استئذانا، وقلت إن هناك 2400 أسير، يرغبون في الحديث، فكل واحد منا اختطف بطريقة وكل واحد منا تلقى تعذيبا خاصا، ورأى شيئا لم يره الآخرون، ولكل واحد منا معاناته رغم أننا نتقاسم الأسر، فانضم إلى رأيي ممثلو الأسرى الآخرين، قبل أن نقرر الخروج احتجاجا، حينها وافقت ميتران وأول مرة ستستمع إلى الأسرى جميعهم».
أول سؤال وجهته متران إلى عمار، قبل احتجاجه على عدم الاستماع إلى الجميع، هو «لماذا رفضتم استقبالي: قلنا لها: لدينا كأسرى مغاربة عدوان: الأول الجزائر ثم منظمتك، استغربت وسألت ولماذا؟ فأجبناها أنها تساعد على هضم حقوقنا كأسرى، وأن وزر ضياع صحتنا تتحمله هي، قلنا لها أيضا كنت تدفعين لبوليساريو المال لبناء مؤسسات وكنا نحن من يبني. بنوا بسواعدنا طرقات وقنوات صرف صحي ومستشفيات ومدارس ليل نهار، فيما كنت سيدتي تغدقين عليهم المعونات، وتسمحين لهم بسلبنا دمنا، وهنا توقفت وسألت عن قصة الدم».
حتى لو لم تكن المرأة على استعداد للاستماع إلى تفاصيل مصاصي الدماء في بوليساريو، خاصة أن أجساد الأسرى كانت تبدو كجثث متحركة، إلا أنها أصرت على الاستماع إلى هذه التفاصيل المفجعة، «أخبرناها أنهم يأخذون الدماء منا، وكنا كلنا مصابين بأمراض نتيجة التعذيب والعمل الشاق وقلة التغذية، ورغم ذلك يأخذون دمنا، كل أسبوع، بل كل ثلاثة أيام، أحيانا حتى الثانية ليلا يخرجونك من السجن لأخذ دمك، كأنك تدفع ضريبة ما في وقتها المحدد، ولم يكونوا يمنحونك طعاما بعدها أو حتى ماء، بل يسلبون دمك ثم يطلبون منك العودة للنوم. شرحنا لها أيضا أن التموين الذي ترسله هي و23 منظمة أخرى يباع في أسواق التهريب، وأن الجزائر تشرف على ذلك ونحن من كان يحمل السلع من هنا إلى هناك. القوافل تأتي من مكان وتنتقل إلى مكان آخر، الأغنام والجمال وغيرها، قبل أن نباغتها بسؤال: هل هذه هي حقوق الإنسان التي تدافعين عنها؟».
رغم أسرهم كان الجنود المغاربة المحتجزون يعرفون كل ما يجري في الداخل والخارج، ولم تخف عليهم الحرب التي قادتها ميتران على المغرب، «أخبرتها أننا نعرف موقفها وتصريحاتها، فردت قائلة: لم أتصور أن يراوغني ملك في أي بلاد حتى فعلها بي الحسن الثاني، حين قال لي ستقلك طائرة إلى العيون، فإذا بها تحط بي في باريس». شرح الأسرى وضعيتهم لميتران، قبل أن يؤكدوا لها أنهم جنود دافعوا عن بلادهم وكان ذلك واجبهم، وهي العبارات التي أثرت في المرأة، «وبعد هذه الزيارة انتفضت ميتران ضد قيادة بوليساريو، وتغيرت علاقتها معهم».

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق