fbpx
حوادث

زلزال قضائي سيضر بمصالح كل طالبات التطليق (الحلقة الأخيرة)

فلسفة طلاق الشقاق والمساواة في مدونة الأسرة

أخرج العدد 72 من مجلة القضاء المجلس الأعلى، وهو العدد الأخير لهذه المجلة المعطاء بالمناسبة، قرارا مثيرا قد يقلب كل أحكام محاكم الموضوع في شقه المتعلق بمستحقات طالبات التطليق رأسا على عقب، بل يمكن أن نقول إن هذا القرار

سيمس طالبات التطليق في أهم مستحق بعد أن يحكم القاضي بالتطليق المطلوب من المرأة، وبالخصوص في طلبات التطليق للشقاق وهو واجب المتعة، وهذا القرار يمكن أن يحرك ملفات نائمة منذ صدور المدونة، ستدفع الأزواج الذين كانوا محل مسطرة تطليق خصوصا التطليق للشقاق بطلب من زوجاتهم إلى استئناف الأحكام التي قضت عليهم بأداء المتعة، إذا كانت هذه الأحكام غير مبلغة ، ونحن نعلم جيدا أن هذه الأحكام لا تبلغ إلا في ما ندر.

كانت وضعية المرأة المغربية في القوانين السابقة غير مريحة، وتتسم بكثير من التعقيد والمماطلة والتسويف وعدم المساواة مع الرجل، خصوصا في مسطرة طلبها للتطليق، فأوجدت لها مدونة الأسرة الجديدة مسطرة جديدة وسريعة وهي مسطرة التطليق للشقاق، وفلسفة مدونة الأسرة كانت ترتكز بالأساس على المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، ورفع حقوق المرأة لكي نجعلها مساوية لحقوق الرجل، وترتكز فلسفتها على إنصاف المرأة وإحلالها مركزا يليق بها، فما معنى أن تستمر امرأة تتعرض لكافة أنواع الضرب والسب والقذف والإهانة والتجويع مع زوج وهي تكرهه، دون أن تتمكن من طلب التطليق منه، وحتى لو طلبت استمر ذلك لسنوات طويلة وأصبحت معلقة، ما هي بالمتزوجة ولا بالمطلقة، وأصبحت عرضة للترصد لإدخالها إلى دوامة الخيانة الزوجية من طرف زوج قاس، فهي إذا أرادت التطليق تعقدت المساطر.
وأصبحت طرق الطعن موقفة لحكم تطليقها أما الزوج الرجل بإجراء بسيط يستغرق يوما أو أسبوعا يمكن أن يطلق زوجة بأبناء استمرت في العيش معه لعشرات السنين بفريق من الأبناء ولا يمكن لطرق الطعن أن توقف طلاق الزوج، فلسفة مدونة الأسرة أتت لإنصاف المرأة من جور وظلم المساطر التي كانت تتعرض لها فيما سبق، أتت لتزيد في حقوقها ومنها المتعة وليس لإنقاص هذه الحقوق وتبخيسها.
فالمرأة حين تطلب التطليق للشقاق لا تطلبه بمحض إرادتها (فحتى قط ما كيهرب من دار العرس كما يقال في المتخيل الشعبي) إلا إذا كانت هناك أشياء أكبر وأخطر تجعله يهرب جعلته ينسى العرس وأكله وشربه المتنوع والوفير، والمرأة المغربية كما نعرف جميعا في أغلب الأحيان هي امرأة صبورة ، ولا تلجأ إلى طلب التطليق إلا إذا كان هو آخر حل سيخلصها من عذاب الزواج.
والمتعة في السابق كانت مذكورة بشكل محصور في مدونة الأحوال الشخصية في المادة 52 مكرر والمادة 62 حين تكلمت عن الطلاق ، ولم يتم ذكرها بعد ذلك في مساطر التطليق الأخرى ، لكننا نجد أنه تم ذكرها في مدونة الأسرة بشكل صريح حين أحالت فصول التطليق للشقاق على مستحقات الزوجة كما هي محددة في المواد 83 و 84 و85  لذلك ففلسفة مدونة الأسرة أفلست أصحاب النظرة الدكورية التي كانت مهيمنة على حقوق المرأة، وزادت في كفة المرأة المغربية في الميزان الأسري لتعادل كفة شقيقها الرجل المغربي.
5 ـ خاتمة الأحكام على هذا القرار:
بعدما استعرضناه من أحكام ، أصبح السؤال الملح هو هل لهذا القرار خاتمة ، بعد أن وجدنا أن حيثياته مخالفة لوسائل النقض فيه ، بل صنع هذا الاجتهاد الغريب الذي لا يمكن أن نسميه اجتهادا بقدر ما هو ارتداد يحاول أن يعود بالمرأة المغربية وبحقوقها إلى عهود أقبرناها وأصبحنا نزورها من أجل إجراء المقارنات فقط لا من أجل الإقتداء بها والسير على نهجها ، قرارا اتضح بالواضح أنه مخالف لمواد مدونة الأسرة الصريحة بخصوص المتعة ومخالف للفقه المالكي الذي أراد المعلق عليه الأستاذ بحماني بجملة عامة وغامضة أن يتمسك بتلابيبه بدون حق ليعضد رأيه. قرار يريد أن يلون الجدران البيضاء والحدود الواضحة والمتساوية بين حقوق الرجل والمرأة بألوان ذكورية غالبة على حساب الفلسفة التي أتت بها مدونة الأسرة والمعتمدة أساسا على شيء واحد لا آخر بعده ، مزيد من المساواة والحقوق للمرأة المغربية بالموازنة مع شقيقها الرجل، إذن أي خاتمة أريدها ونريدها لهذا القرار بعد ذلك غير مقبرة النسيان.
هذا القرار يجب أن ننساه ونقول لمن أصدروه ومن علقوا عليه ، لقد أخطأتم التاريخ والمكان ونقول لهم افعلوا كما قال عمر في رسالته الشهيرة : « ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فإن الحق قديم لا يبطله شيء « فيه حق.

ذ. رشيد  وهابي: محامي بهيأة الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق