حوادث

قضية القاضي قنديل… من التبليغ عن “الفساد” إلى “فساد” قرار التوقيف

كان هناك امتحان للرميد لم يوفق فيه مثل سابقيه وركن إلى رأي غير سديد ومتسرع

بقلـم : محمد الهيني
بقلـم : محمد الهيني

إن المطلع على قرار توقيف القاضي قنديل، يفاجأ بخرق الدستور والقانون  والعرف الإداري بشكل سافر، فكيف يمكن إيقاف قاض مع عدم التحقيق في ادعاءاته، قبل ثلاثة أشهر كاملة سلفت عن تاريخ وقوع الفساد في المحكمة التي يعمل بها، لم يتم التثبت منه ولا إيفاد لجنة تحقيق وتفتيش مستقلة للوقوف على صحته، قبل الإحالة على المجلس الأعلى للسلطة القضائية -لأن المجلس الأعلى للقضاء انتهت ولايته واختصاصه الزمني بمطلع سنة 2015 – ما قد يفهم منه أنه إدانة مسبقة للقاضي وتبرئة للمشتكى، وانتهاك صارخ لقرينة البراءة ولمبدأ المساواة بين أطراف الشكاية في الأسلحة وحقوق الدفاع، فلماذا إذن لم يتم إيقاف المشتكى بهم على الأقل لعدم التأثير على وسائل الإثبات وعدم العبث بها؟.

إذا كان الفصل 62 من النظام الأساسي للقضاة ينص على أنه يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه بقرار لوزير العدل، إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ خطيرا، فإنه تبعا لذلك استقر العرف الإداري على عدم إيقاف القاضي إلا بمناسبة خطأ تأديبي واضح الجسامة، وله ما يؤيده من الإثبات ينطوي في الغالب على جريمة جنائية أو وقائع فساد مالي، فهل الفساد هو التبليغ عنه لا ارتكابه؟ وهل الإخلال بالشرف والوقار المدعى ينطوي على درجة معينة من الخطورة تبرر التوقيف؟ وما هو معياره الموضوعي لفهمه وتقصي حقيقته، حتى لا يكون تفسيره على هوى جهة التأديب، وحتى لا يكون الشرف هو ما اعتقدته وسطرته هي تعسفا وشططا لا ما سطره القانون وأحكام المحاكم عدلا وإنصافا.
إن الشرف الذي يحميه القانون هو شرف القانون والعدالة، وليس شرف جهة المتابعة أو شرف المشتكى بهم، الذين بات القضاة يتابعون من أجلهم هذه الأيام، فتكدير صفو نفسية مسؤول مغرور بسلطته أو بقربه من مراكز القرار كاف من أجل تحريك المتابعة التأديبية ولو كنت من الفئة العمرية.
إن الأمر يبين بالملموس أن شعار الفساد لا يتعلق إلا بصغار المواطنين والموظفين والقضاة، الذين لا حول ولا قوة لهم أمام أصحاب النفوذ والامتيازات. فالقانون يقف عاجزا أمام مجابهتهم ولو تعلق الأمر بوزير لا يمل صباح مساء من الحديث عن محاربة الفساد والتخليق سواء بالقرآن أو السنة أو القانون .
لقد كان هناك امتحان للوزير لم يوفق فيه مثل سابقيه، وركن لرأي غير سديد متسرع وغير متعقل لا يؤمن بالحقيقة ويلهث وراء محاربة الاندفاعية المزعومة لقضاة شباب، اتصفوا دوما بالكفاءة والنزاهة والمصداقية، والمس بالتراتبية الرئاسية القضائية ظلما وعدوانا، وفي ذلك تشجيع لمزيد من تطاول بعض المسؤولين القضائيين، الذين يدفنون رؤوسهم في التراب على قلتهم، غير آبهين بمبدأ استقلالية القضاء ولا استقلالية القاضي، وكأن المرفق القضائي لا يتميز في شيء عن المرفق الإداري، حيث القاضي موظف ينصت للتعليمات، وسيف العقوبة التأديبية سيظل مسلطا عليه إن تمسك باستقلاليته أو انتفض دفاعا عن مبدأ تخليق المرفق القضائي، وبات معه توقيف قاض أسهل من توقيف أجير، وربما صار تيمنا بمدونة الشغل بعض القضاة محميين قياسا على الأجراء المحميين بمساطر خاصة.  
إن الجهة المختصة بمتابعة القضاة تأديبيا طبقا للمادة61  من النظام الأساسي لرجال القضاء هي لجنة المتابعة المكونة من الأعضاء المعنيين بقوة القانون، والتي تمثل المجلس الأعلى للقضاء، برئاسة نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء وزير العدل، بحيث لا يملك وزير العدل تسطير المتابعة لوحده، مما يجعل المتابعة الحالية باطلة في غياب مقررين مكتوبين موافقين لرأي الوزير عن الأعضاء المعينين بقوة القانون، ولا يكفي القول باستشارتهما دون إثبات موافقتهما كتابيا عن ذلك. وهكذا نصت المادة 61  من النظام الأساسي للقضاة على ما يلي :
»ينهى وزير العدل إلى المجلس الأعلى للقضاء الأفعال المنسوبـة للقاضي، ويعين بعد استشارة الأعضاء المعينين بقوة القانون مقررا يجب أن تكون درجته أعلى من درجـة القاضي المتابع.
إننا نحترم القاضي الذي يتمسك باستقلاليته ولا يضيعها، ونحترم المسؤول القضائي الذي يضبط حدود مجاله الإداري، ويلتزم باستقلالية القضاء وهيبته وكرامة القضاة، فأما من تجاوز واشتط، فيجب أن يكون القانون فيصلا للحكم عليه كائنا من كان، دون تمييز ولا محاباة ولا زمالة ولا قرابة ولا أقدمية، فالتغاضي والسكوت أو الانحياز يشجع على الظلم، وقديما قيل إن ظلم القاضي  يعني انهيار العدل لزوال من يقضي به، فمن يشتكي غدا ولمن؟ وما سر الحصانة للمشتكى بهم؟.
إن إصلاح القضاء يمر عبر بوابة اختيار المسؤول القضائي الكفؤ والنزيه والحكيم القادر على تنزيل مبادئ الإصلاح الدستورية، فأما من قال لنا وما زال يقول إنكم أكثرتم من الاستدلال بالدستور حتى أهنتموه، وأن الدستور مجرد مبادئ، نقول له ولأمثاله لن نمل ولن نكل حتى تغادروا سماءنا، وهواءنا وعقولنا وإداراتنا وقضاءنا، لأن الدستور أمل أمة وشعب وخيار ملك سنتمسك بتطبيقه وتفعيله ليعود حيا في ضمائرنا وأحكامنا ومواقفنا، دون خوف ولا وجل، لا نهاب توقيفا ولا حرمانا من الترقية ولا إيقاف أجر ولا عزل. لأن غايتنا حماية  حقوق وحريات المواطنين وذلك عهدنا قطعناه على أنفسنا .
فالتوقيف الفاسد قانونا سببا وإجراء وغاية يقود لإفساد الحياة القضائية بتغييب حس المواطنة والمسؤولية والضمير المهني، فمتى كان التبليغ عن الفساد المزعوم يقود للتأديب بدون تحقيق ولا بحث ؟ الجواب الخطير عن التبليغ مؤداه السكوت والنكوص ولم لا تشجيع المشاركة في تنميته؟ وهذا يقوض أسس الممارسة القضائية السليمة التي تعتمد التخليق ومحاربة الفساد من أهم مبادئها؟ فما سر الخوف من التحقيق، ولماذا تأخر لمدة ثلاثة أشهر بكاملها؟ وماذا كنا سنخسر لو لم يتم استباق نتائج التحقيق بإيقاف القاضي مساواة بينه وبين الجهة المشتكى بها، حتى إذا ثبت كذب ادعاءاته عوقب تأديبيا ومدنيا وجنائيا عنها، وإذا ثبتت صحتها تلقى أصحابها المصير نفسه.
إن السكوت عن الاعتداء على حقوق أي قاض في عناصر المحاكمة التأديبية العادلة اختلفنا مع القاضي أو الوزير أو اتحدت نظرتنا إليهما، فالأمر يتعلق بمعطى موضوعي وليس شخصيا -الأمر مسألة مبدأ واحترام قانون وهيبة قضاء أمام رجل الإدارة – يشكل من وجهة نظري جريمة أخلاقية وقانونية ومهنية لا يعرفها إلا من اكتوى بنارها أو وقف إلى جانبها، فدراسة احتمال الربح والخسارة لا يكون في المبادئ، والوقوف إلى جانب القاضي ليس انتصارا له أو مؤازرة له وليس ضد الوزير وإنما إحقاقا للحق وإنصافا للقانون والعدالة، فالدوس على القانون يعطي جرعات زائدة للشطط، ودائرته إن اتسعت لا ينفع معها الكلام إن ساد الصمت، فحذار من الصمت، لأنه يدخل الريبة والشك ليس في نفس القاضي فقط أو القضاء، وإنما المواطن والمجتمع لأنه سيرى قضاة مظلومين فزعين وخائفين لم يقدروا على مناصرة قضية قاض مظلوم فأحرى أن يناصروا قضية مواطن. إن الأمن والثقة لا يتولدان فقط من الحكم القضائي أيا كانت شرعيته، وإنما يتولدان أيضا من المواقف والتضحيات، وليس من الصبر، فكيف للقاضي أن يحمي الحقوق والحريات وهو مفتقد للحماية الذاتية، فهل يحميني من يسكت عن حماية حقوقه والذود عنها؟ إنها مسألة الأمن القانوني للقاضي والأمن المهني للجمعيات المهنية والشعور الجماعي والحقيقي بالانتماء للقضاء اسما على مسمى.
لقد بتنا نخاف من أن نتحول جميعا إلى وليمة لواجب الوقار والكرامة، مثلما بتنا نخشى أن تكون الوليمة مطبوخة على نار الانتقام؛ إذ لم يسبق أن عرف القضاء المغربي إحالات على خلفية التبليغ عن الفساد تحت ذرائع حساسية مناطقية أو خصوصية غير مبررة كما هو الحال اليوم، فلا خصوصية إلا احترام القانون وصيانة مبدأ الشرعية وضمان المساواة الدستورية أمام أحكام القانون، ولا خصوصية للشطط في استعمال السلطة.
نقطة الضوء الوحيدة في قضية القاضي قنديل، أنها أضاءت عتمة عن أهمية التخليق في مرفق القضاء، سيما على مستوى المسؤولين القضائيين، وسيكون للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الفرصة سانحة لتثبيت عناصر الفهم الموضوعي لماهية الوقار والشرف والكرامة، بعيدا عن وزارة العدل التي سنتحتفل قريبا باختفائها كلية عن الساحة القضائية غير مأسوف عليها.
لقد كان القضاة وما يزالون في طليعة المدافعين عن الحقوق والحريات، فمتى سنسمع أصواتكم، لأن الأنين لا يكفي فكفانا صمتا عن جزاء «سنمار»؟ فلا يمكن لتغريدة «فيسبوكية» أو تسجيل إلكتروني أن يكون مصير صاحبهما الإيقاف، فيما موضوعها وشخوصها أحرار طلقاء يغردون  خارج سرب الدستور والقانون، يجرمون الفضيلة ويبيحون غيرها بقراءة  نصية تقليدانية تمتح من الماضي البعيد الذي قطع معه دستورنا العظيم سنة 2011.
بقلـم :  محمد الهيني    *

* عضو مؤسس بنادي قضاة المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق