الجنائـز... تجـارة المـوت تغير العادات والتحولات الاجتماعية وفرت فرصا اقتصادية وأنعشت مهنا عديدة ساهمت التحولات التي عرفها النسيج الاجتماعي والتغيرات، التي طرأت على عادات تقاليد الأسر المغربية، في بروز خدمات ومهن جديدة مرتبطة بتنظيم الجنائز وإعداد الترتيبات التي تتطلبها. وأصبحت الجنائز تكلف أسر الفقيد مبالغ مهمة، بعد أن تحولت إلى مظهر من مظاهر التباهي بين الناس، خاصة لدى الأسر الميسورة، التي يمكن أن تنفق عشرات الملايين وأن يستمر العزاء لأزيد من ثلاثة أيام، ويتكفل ممون الحفلات بإطعام المعزين، كما توظف، أيضا، رجال الحراسة لتأمين مكان إقامة المأتم. لكن عدوى التباهي لم تعد تقتصر على الفئات الميسورة، بل انتقلت إلى متوسطة ومحدودة الدخل، التي أصبحت، بدورها، تلجأ إلى خدمات مموني الحفلات والمسمعين وغيرهم من المهن، التي تتعلق بتنظيم الجنائز والتكفل بها. وعرفت السنوات الأخيرة انتعاشا في عدد من المهن، المرتبطة بهذا المجال، وينتظر أن تتطور هذه الخدمات مستقبلا مع تطور المجتمع، علما أن التضامن ما يزال قويا بين الجيران والأقارب، في مثل هذه المناسبات الأليمة. ع.ك رواج تجاري ينتعش حول المآتم ممونون وشركات حفر وإعداد القبور ونقل الأموات تحقق أرقام معاملات بالملايير أصبحت الجنائز تمثل فرصا تجارية ومصدر دخل لعدد من المهن، إذ بدأت مظاهر التضامن خلال الوفاة تتراجع، مقابل تكفل مهنيين بالتكفل بالميت، ابتداء من غسله وتكفينه وقراءة القرآن عليه، مرورا بدفنه وبناء قبره، وصولا إلى الوجبات المقدمة إلى المعزين. وكان الجيران والأقارب في السابق يتكفلون بمجمل التكاليف ويعدون الوجبات ويتقاسمونها في ما بينهم، على اعتبار أن أهل الميت في وضعية نفسية لا تسمح لهم بالتفكير في هذه الجوانب. لكن الأمور اختلفت، حاليا، إذ تتطلب الجنائز ميزانية مهمة على أهل الميت أن يتحملوها، وتتفاوت التكاليف، حسب الوضع الاجتماعي لأهل الميت، إذ أن التكاليف بالنسبة للأسر ضعيفة الدخل تكون محدودة، بالنظر إلى أن التضامن ما يزال حاضرا في بعض الجوانب، مثل غسل الميت ونقله، بالنظر إلى أن هناك جمعيات الأعمال الاجتماعية في الأحياء الشعبية وفي الجماعات الترابية تتكفل بهذه الأمور بالمجان، لكن ذلك لا يعفي أهل الميت من تدبر سعر القبر، الذي تتكفل بحفره وتوفير وعائه شركة خاصة، مقابل مبلغ لا يقل عن ألف درهم ويمكن أن يصل إلى أضعاف هذا المبلغ، حسب موقعه والمواد المستعملة في بنائه، خاصة أن هناك بعض العائلات تطلب من الشركة المكلفة بالبناء استعمال الرخام، ما يمكن أن يرفع السعر إلى 10 آلاف درهم أو أكثر. وتلجأ الأسر متوسطة الدخل والغنية إلى مموني حفلات للتكفل بإعداد الوجبات التي سيتم تقديمها إلى الوافدين على بيت المتوفى لتقديم العزاء. وأكد أحد الممونين في تصريح لـ «الصباح» أن الأسعار تختلف حسب طلبات الزبناء، إذ يمكن أن تصل كلفة المائدة إلى 5 آلاف درهم بالنسبة إلى بعض الممونين المشهورين، و قد تنخفض إلى ألف درهم، حسب طبيعة المأكولات والمشروبات المطلوبة، علما أن بعض الممونين يتكفلون بالمسمعين، فلم يعد الأمر يقتصر على تلاوة ما تيسر من كتاب الله، بل تفضل عدد من الأسر استقدام مجموعات تمتهن المديح وإحياء الحفلات والجنازات على حد سواء، ويختلف المقابل المالي، إذ أن الأسر الثرية تستدعي نجوما مشهورين في مجال المديح والتي يمكن أن تكلف الملايين في ليلة واحدة، في حين أن هناك مسمعين لا يشترطون مقابلا محددا، لكنه لن يقل في كل الأحوال عن ألف درهم. وأكد ممون الحفلات ذاته أن تكاليف تنظيم الجنائز يمكن أن تصل إلى 300 ألف درهم (30 مليون سنتيم) بالنسبة إلى الأسر الثرية، في حين تتراوح بين 5 آلاف درهم و15 ألفا بالنسبة إلى متوسطة ومحدودة الدخل. وعرفت أنشطة تنظيم الجنائز تطورا كبيرا، خلال السنوات الأخيرة، وتحولت إلى قطاع قائم بذاته، وتنتظره آفاقا واعدة، بالنظر إلى التطور الذي تعرفه عادات المجتمع. عبد الواحد كنفاوي