fbpx
حوادث

التقاضي بحسن النية آلية للرفع من النجاعة القضائية

رغم غياب منظومة قانونية شاملة تصدى المشرع للتقاضي بسوء النيةيوسف أقصبي

النجاعة القضائية كهدف منشود من الممارسة القضائية، أسالت مداد العديد من الباحثين والمهتمين والقائمين على شأن العدالة ببلادنا. ورغم الاختلافات اللغوية والاصطلاحية في تحديد هذا المفهوم، غير أنها ظلت تحوم حول مفهوم الفعالية القضائية، هذه الأخيرة لا يمكن تحقيقها بالاعتماد على فاعل أو فاعلين من بين المتدخلين في منظومة التقاضي، بل لابد من وجود خطة مشتركة يتفاعل معها الجميع، وبشكل مسؤول.

يوسف أقصبي*

يبقى الفاعل الرئيسي والمحرك لمنظومة التقاضي بمثابة المركز الذي تدور في فلكه باقي المكونات والمتدخلين، فالحديث عن النجاعة القضائية يقتضي بالضرورة الحديث عن مدى حسن نية المتقاضي بالدرجة الأولى قبل التطرق لباقي الآليات التي من شأنها أن توصلنا لهذا الهدف.
وعليه، فإذا كان حق التقاضي يعتبر حقا دستوريا، وهو ما اقره دستور 2011 في الفقرة الأولى من المادة 118 التي تنص على ” حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و عن مصالحة التي يحميها القانون “. فإن هذا الحق لا يمكن ممارسته خارج الإطار الأخلاقي، المتمثل في حسن النية، و هو ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 5 من قانون المسطرة المدنية والتي تنص على انه:” يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية”. إذا يحق لنا أن نتساءل ونقول كيف يمكن للتقاضي بحسن النية أن يكون آلية للرفع من النجاعة القضائية ؟ و كيف يمكن مراقبة مدى حسن نية المتقاضي ؟
وهل للقضاء الآليات الكفيلة للحد من التقاضي بسوء النية؟ هذه أسئلة و غيرها كثير يتبادر للذهن بمجرد الحديث عن التقاضي بحسن النية، وعلاقته بالنجاعة القضائية، وعلى ضوئها سنحاول مقاربة الموضوع من خلال محورين، الأول دور التقاضي بحسن النية في الرفع من النجاعة القضائية، والثاني دور القضاء في مراقبة التقاضي بسوء النية.

المحور الأول : دور التقاضي بحسن النية في الرفع من النجاعة القضائية

التقاضي كآلية لحل النزاع، أو الوصول للحق، أو حمايته، لم يكن ليستقيم لولا شحنه بمفهوم أخلاقي، يتجاوز المعيار القانوني الصرف، المتجرد، و القائم على شكليات مضبوطة، و آليات مسطرية تؤطره وتؤطر الذي يدور في هذا المدار، لذا جاءت المادة 5 من قانون المسطرة المدنية لتنص، و بصيغة الوجوب على الالتزام بمبدأ حسن النية عند التقاضي. و لن نخوض في التعريف بمبدأ حسن النية، فبغض النظر عن النظريات الفقهية التأصيلية، والتفصيلية له، فهو مبدأ أخلاقي بامتياز، يتمثل أساسا في ذلك الشعور الأخلاقي الذي يحمله كل فرد في وجدانه كيفما كان مستواه العلمي أو المعرفي، و على ضوئه يتعين على كل متقاض ممارسة حقه، و لو كان صاحب حق، فهذا لا يشفع له في استعمال أساليب و طرق تقوم على سوء النية، و لو كان من شأنها حماية حقوقه ومصالحه. بمعنى أنه لا مجال للقول بكون الغاية تبرر الوسيلة، فإن لم تكن هذه الأخيرة مشروعة، وأخلاقية، فلا يمكن الحديث عن الغاية و لو كانت مشروعة، فما بالك إن كانت غير ذلك.
 و تجدر الإشارة، إلى أن التقاضي بسوء النية، له صور عديدة، و متعددة، بل أكثر من ذلك فهي متجددة  من مظاهر سوء نية المتقاضين، إعطاء عنوان خاطئ أو ناقص للمدعى عليه، وكذا إطالة أمد النزاع، لا لشيء سوى لمنع الطرف الآخر من الوصول لحقه، وكذا تحوير النزاع، والدفع بوثائق غير ذات أساس، بالإضافة إلى استعمال جميع طرق الطعون لا لشيء سوى للمماطلة والتسويف في جعل الأحكام تكسب حجيتها النهائية وما سيترتب عنها من آثار، ناهيك عن إخفاء وقائع صحيحة، أو إنكارها، وكذا التدخل في الدعاوى القائمة، لمنع جهة معينة من الوصول للحق، أو حمايته، أو لإطالة النزاع بينهما، و كذا تغيير محل السكنى، لتغيير الاختصاص المكاني والاستفادة من توجه قضائي في جهة غير جهته الأصلية.
وتبقى هذه الصور على سبيل المثال لا الحصر، فالمتقاضون يتفننون في حياكتها وصياغتها، وهي تتطور بشكل متواز مع تطور الفكر الاحتيالي، وهكذا يمكن القول إن التقاضي بسوء نية، يعد بمثابة حجر عثرة أمام أي آلية للرفع من النجاعة القضائية.
 لذا، يتعين أن تتعبأ جميع الجهات المعنية بشأن العدالة ببلادنا، لتتصدى لهذا النوع من التقاضي، الذي ينسف كل المجهودات، والإمكانيات، التي ترصدها الدولة للرفع من النجاعة القضائية، وتحقيق الأمن القضائي.
 ورغم غياب منظومة قانونية شاملة، تؤطر التقاضي بحسن النية، فإن المشرع تصدى في نصوص خاصة لبعض مظاهر التقاضي بسوء النية، نذكر منها على الخصوص المادة 43 من مدونة الأسرة والتي تنص في فقرتها الأخيرة على أنه :” إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا عن تقديم الزوج لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة بسوء نية، تطبق على الزوج العقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة المتضررة.” وكذا الفصل 48 من قانون التحفيظ العقاري الذي ينص على أن:” كل طلب للتحفيظ أو تعرض عليه ثبت للمحكمة صدوره عن تعسف أو كيد أو سوء نية يوجب ضد صاحبه غرامة لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لا يقل مبلغها عن عشرة في المائة من قيمة العقار أو الحق المدعى به، والكل دون المساس بحق الأطراف المتضررة في التعويض.”
*باحث في العلوم القانونية

    
1/2

النجاعة القضائية كهدف منشود من الممارسة القضائية، أسالت مداد العديد من الباحثين والمهتمين والقائمين على شأن العدالة ببلادنا. ورغم الاختلافات اللغوية والاصطلاحية في تحديد هذا المفهوم، غير أنها ظلت تحوم حول مفهوم الفعالية القضائية، هذه الأخيرة لا يمكن تحقيقها بالاعتماد على فاعل أو فاعلين من بين المتدخلين في منظومة التقاضي، بل لابد من وجود خطة مشتركة يتفاعل معها الجميع، وبشكل مسؤول.

التقاضي بحسن النية آلية للرفع من النجاعة القضائية
رغم غياب منظومة قانونية شاملة تصدى المشرع للتقاضي بسوء النية

يبقى الفاعل الرئيسي والمحرك لمنظومة التقاضي بمثابة المركز الذي تدور في فلكه باقي المكونات والمتدخلين، فالحديث عن النجاعة القضائية يقتضي بالضرورة الحديث عن مدى حسن نية المتقاضي بالدرجة الأولى قبل التطرق لباقي الآليات التي من شأنها أن توصلنا لهذا الهدف.
وعليه، فإذا كان حق التقاضي يعتبر حقا دستوريا، وهو ما اقره دستور 2011 في الفقرة الأولى من المادة 118 التي تنص على « حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و عن مصالحة التي يحميها القانون «. فإن هذا الحق لا يمكن ممارسته خارج الإطار الأخلاقي، المتمثل في حسن النية، و هو ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 5 من قانون المسطرة المدنية والتي تنص على انه:» يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية». إذا يحق لنا أن نتساءل و نقول كيف يمكن للتقاضي بحسن النية أن يكون آلية للرفع من النجاعة القضائية ؟ و كيف يمكن مراقبة مدى حسن نية المتقاضي ؟
وهل للقضاء الآليات الكفيلة للحد من التقاضي بسوء النية؟ هذه أسئلة و غيرها كثير يتبادر للذهن بمجرد الحديث عن التقاضي بحسن النية، و علاقته بالنجاعة القضائية، وعلى ضوئها سنحاول مقاربة الموضوع من خلال محورين، الأول دور التقاضي بحسن النية في الرفع من النجاعة القضائية، والثاني دور القضاء في مراقبة التقاضي بسوء النية.

المحور الأول : دور التقاضي بحسن النية في الرفع من النجاعة القضائية .

التقاضي كآلية لحل النزاع، أو الوصول للحق، أو حمايته، لم يكن ليستقيم لولا شحنه بمفهوم أخلاقي، يتجاوز المعيار القانوني الصرف، المتجرد، و القائم على شكليات مضبوطة، و آليات مسطرية تؤطره و تؤطر الذي يدور في هذا المدار، لذا جاءت المادة 5 من قانون المسطرة المدنية لتنص، و بصيغة الوجوب على الالتزام بمبدأ حسن النية عند التقاضي. و لن نخوض في التعريف بمبدأ حسن النية، فبغض النظر عن النظريات الفقهية التأصيلية، والتفصيلية له، فهو مبدأ أخلاقي بإمتياز، يتمثل أساسا في ذلك الشعور الأخلاقي الذي يحمله كل فرد في وجدانه كيفما كان مستواه العلمي و / أو المعرفي، و على ضوئه يتعين على كل متقاضي ممارسة حقه، و لو كان صاحب حق، فهذا لا يشفع له في إستعمال أساليب و طرق تقوم على سوء النية، و لو كان من شأنها حماية حقوقه و مصالحه. بمعنى أنه لا مجال للقول بكون الغاية تبرر الوسيلة، فإن لم تكن هذه الأخيرة مشروعة، و أخلاقية، فلا يمكن الحديث عن الغاية و لو كانت مشروعة، فما بالك إن كانت غير ذلك.
 و تجدر الإشارة، إلى أن التقاضي بسوء النية، له صور عديدة، و متعددة، بل أكثر من ذلك فهي متجددة  
 

 
 

من مظاهر سوء نية المتقاضين، إعطاء عنوان خاطئ أو ناقص للمدعى عليه، وكذا إطالة أمد النزاع، لا لشيء سوى لمنع الطرف الآخر من الوصول لحقه، وكذا تحوير النزاع، والدفع بوثائق غير ذات أساس، بالإضافة إلى استعمال جميع طرق الطعون لا لشيء سوى للمماطلة والتسويف في جعل الأحكام تكسب حجيتها النهائية وما سيترتب عنها من آثار، ناهيك عن إخفاء وقائع صحيحة، أو إنكارها، وكذا التدخل في الدعاوى القائمة، لمنع جهة معينة من الوصول للحق، أو حمايته، أو لإطالة النزاع بينهما، و كذا تغيير محل السكنى، لتغيير الاختصاص المكاني والاستفادة من توجه قضائي في جهة غير جهته الأصلية.
وتبقى هذه الصور على سبيل المثال لا الحصر، فالمتقاضون يتفننون في حياكتها وصياغتها، وهي تتطور بشكل متواز مع تطور الفكر الاحتيالي، وهكذا يمكن القول إن التقاضي بسوء نية، يعد بمثابة حجر عثرة أمام أي آلية للرفع من النجاعة القضائية.
 لذا، يتعين أن تتعبأ جميع الجهات المعنية بشأن العدالة ببلادنا، لتتصدى لهذا النوع من التقاضي، الذي ينسف كل المجهودات، والإمكانيات، التي ترصدها الدولة للرفع من النجاعة القضائية، وتحقيق الأمن القضائي.
 ورغم غياب منظومة قانونية شاملة، تؤطر التقاضي بحسن النية، فإن المشرع تصدى في نصوص خاصة لبعض مظاهر التقاضي بسوء النية، نذكر منها على الخصوص المادة 43 من مدونة الأسرة والتي تنص في فقرتها الأخيرة على أنه :” إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا عن تقديم الزوج لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة بسوء نية، تطبق على الزوج العقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة المتضررة.” وكذا الفصل 48 من قانون التحفيظ العقاري الذي ينص على أن:” كل طلب للتحفيظ أو تعرض عليه ثبت للمحكمة صدوره عن تعسف أو كيد أو سوء نية يوجب ضد صاحبه غرامة لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لا يقل مبلغها عن عشرة في المائة من قيمة العقار أو الحق المدعى به، والكل دون المساس بحق الأطراف المتضررة في التعويض.”
يوسف أقصبي
باحث في العلوم القانونية  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق