قاض مزور سطا على مدخرات عانس وآخرون أبدعوا طرقا للاحتيال يستعمل محتالون عن سبق إصرار الوعد بالزواج، طعما للنصب على عوانس فاتهن قطاره وأضناهن انتظاره بعدما بحثن طويلا عن مؤنسي حياتهن المحرومة من دفء حضن زوجي والفراش الأسري وفرح الإنجاب. يسلبونهن المال والشرف والجمال ويتركونهن وسط السكة تائهات عن مسارها وهائمات في دوامة لا تنتهي من المشاكل والمعاناة. قصص مؤلمة لعوانس سقطن في فخ الإغراء ب"إتمام دينهن"، نصبته ذئاب بشرية هشمت أجسادهن الشائخة واستولت على ما ادخرنه من مال وحلي، قبل لفظهن كما تتخلص الشجرة من أوراقها خريفا. حينئذ لم يجدن غير محاكم شهدت على نشر غسيل حكاياتهن مع "أزواج" رسمن فرحتهن في أحضانهن واستفقن على كوابيس الفراق. إحداهن أوشكت على الأربعين ربيعا انخدعت بمظهر شاب وسيم ورشيق زارها للتبضع بمحل لبيع المفروشات تشتغل فيه وسط المدينة الجديدة. تكلمت عيناهما لغة الرضى، وانشرحت أساريرهما لبعضهما وتبادلا أرقام الهاتف وتكررت اتصالاتهما ولقاءاتهما خلسة من عائلتها قبل أن يطرق بابها، طالبا راغبا في إتمام بقية حياته معها وفي حضنها. صدقت أنه نائب لوكيل الملك وحلمت بحياة سعيدة معه وقد تفنن في الظهور بمظهر إنسان ورع مواظب على صلاته ومحب للخير لغيره قبل نفسه. لم تتوقع أبدا أن يكون كاذبا أو خائنا، وقد أغدق عليها بالهدايا بمناسبة وبدونها، حتى خالته ملاكا في صورة إنسان. لكنه لم يكن إلا ممثلا بارعا أتقن الدور جيدا أمامها وبمنزل عائلتها السعيدة بخطوبتها. بعد كسبه ثقتها وعائلتها، انتقل للمرحلة الأهم في مسلسل النصب عليهما. ادعى وجود مشكل بحسابه البنكي وحاجته للمال لشراء سيارة "همزة"، فناولته ووالدها ما ادخراه وخزناه ل"دواير الزمان". انتظرا عودته البهية على متن سيارته الفارهة. لكنه غاب ولم يعد واتصالاتهما به باءت بالفشل فهاتفه غير مشغل، ليستفيقوا على كابوس حارق لسمعتهم. استفاقت العانس متأخرة من حلمها واكتشفت ألا علاقة له بجهاز القضاء، بل هو مجرد "قاضي حاجة" يستعمل الوعد بالزواج طعما للإيقاع بمثيلاتها، في حالة شبيهة بما تعرضت إليه عانس أخرى وعائلتها استدرجهم نصاب إلى فاس وتركهم في مقهى في انتظار التنقل لمنزل والديه. طلب من الأب مفتاح سيارته، وأقلع و"طار مع الطيور". انتظرت الأسرة ساعات بالمقهى في انتظار "كودو العشق" رحل ولم يعد. لم تجد غير طرق باب القضاء أملا في استرجاع السيارة المستولى عليها، أما السمعة والشرف فقد تبخرا في لحظات دفء وبسبب ثقة عمياء في غريب تعرفت عليه في دردشات السوشل ميديا، التي أسقطت أيضا عانسا من الإقليم نفسه نصب عليها "خطيب" في مليوني سنتيم. يبدو المبلغ أقل بكثير مما خسرته عانس ناحية صفرو، انتهى بها مطاف العشق والحلم في حضن ألم اجتره لوحدها وعلى مضض، بعدما أوهمها شاب خدعها بمظاهر مغلفة بالحنان والطيبوبة والالتزام والحب، دون أن تستفيق من غفوتها إلا على وقع هزة عاطفية كلفتها أزمة نفسية بعدما خسرت "الخطيب" والمال والسيارة والسمعة والشرف. قدم النصاب نفسه لها ولعائلتها بصفة مسؤول عسكري. وتقدم رفقة امرأة يجهلون هويتها، لخطبتها رسميا في ليلة فرح وابتهاج، تمهيدا لمسلسل الاستيلاء على ما ادخرته باسم تجهيز شقة ادعى اقتناءها أحيانا وبمبررات أخرى اختلفت حسب الزمن والمكان والدور، دون أن تدري أنه مجرد بارع في التمثيل واستمالة فؤادها الهش الخافق بحبه. حلم تبخر حلمت بالزواج وبناء عشها الزوجي، لكن حلمها تبخر وتحول سرابا. صورته في ذهنها رجلا مثاليا وملاكا معصوما من الخطأ، قبل أن تكتشف أنه ذئب مفترس تخفى في صوف خروف ناعم الملمس، ترصد لها عن سبق إصرار وترصد، بعدما علم عن حياتها كل شيء، واعتبرها "دجاجة بكامونها" فالتهم الجسد والمال. وليست هؤلاء النسوة العوانس وحدهن المغفلات والمستفيقات على فواجع النصب والهجران، بل تشابهت قصتهن مع تلك لفتاة من قرية با محمد ناحية تاونات، أغراها ذو سوابق متعددة في النصب والاحتيال، بالحب والحنان، وزرع في فؤادها بذور الأمل في مستقبل آمن بحضنه، قبل أن يحرق سمعتها. حميد الأبيض (فاس)