fbpx
حوادث

دراسة في القانون : المفوض القضائي الحلقة المفقودة في مشروع قانون المسطرة المدنية

لا حديث عن إصلاح منظومة التبليغ والتنفيذ دون إشراك المفوض القضائي

لا يعني وبشكل موضوعي أن مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية لم تأت بجديد، بل لقد نصت هذه الأخيرة على مقتضيات  ايجابية  إلى حد ما وتهم بالأساس تنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة أشخاص القانون العام والمضمنة  بالمادة 583 والتي جاءت بتحديد كرونولوجي لإجراءات التنفيذ على الأشخاص الاعتبارية العامة وفق منطق تسلسلي وتراتبي ينتهي بإمكانية إجراء حجز تنفيذي على أموالها وممتلكاتها مبدئيا ما لم يعرقل ذلك المصلحة العامة.
 إلا أن هاته المقتضيات وإن شرعنت  الحجز التنفيذي الناقص، فان ذلك قد أفضى من خلال مدلول المخالفة إلى إبعاد إمكانية إيقاع بعض الحجوزات الأخرى، مثل الحجز بين يدي الغيرعلى هاته الأموال انتصارا لبعض الاجتهادات القضائية، التي تقول بان أشخاص القانون العام لا يخشى عسرها، كما أن اعتبار السند التنفيذي بمثابة أمر بحوالة تصرف للمحكوم له من طرف المحاسب العمومي المختص بمجرد الطلب، هو أمر محمود.
 ولكن يبقى السؤال المطروح ماذا لو رفض المحاسب العمومي صرف هذه الحوالة، هل سيتم اللجوء إلى مسطرة الحجز التنفيذي وفق ما هو مسطر، وماذا لو تعذر انجازها بغض النظر عن إثارة مسؤولية الممتنع؟
 أكيد سنظل ندور في حلقة مفرغة وللخروج منها يجب التنزيل الفعلي لمقتضيات المادة 126 من الدستور التي تنص على أنه يجب على الجميع احترام الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء، وبناء عليه فانه يجب على أشخاص القانون العام بدون استثناء الانصياع لهاته المقتضيات الدستورية والعمل على تنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة في مواجهتها تحت طائلة إجراء وإيقاع الحجز التنفيذي على منقولاتها وممتلكاتها، بغض النظر عن طبيعتها مال عام أم خاص، مع إثارة مسؤولية الموظف المسؤول عن ما ستسفر عنه إجراءات الحجز هاته.
 وهذا ما ذهب إليه بعض العمل القضائي في الملف التنفيذي عدد23-98 «مليكة بنت الحاج ومن معها ضد الجماعة الحضرية لزواغة «، منشور بمجلة المعيار عدد29 ص79 والملف التنفيذي عدد30-98 نفس المراجع»، و»عبدالله العلمي ضد الجماعة الحضرية لزواغة» حيث سارع المجلس الجماعي خلال مسطرة بيع المحجوزات بالوفاء بالتزاماتها المالية موضوع السند التنفيذي كما ورد في المرجع المشار إليه، وبالتالي لا نحتاج لأمر آخر  يصدر عن جهة معينة  قصد قيام الإدارة بتنفيذ الأحكام القضائية في مواجهتها  كما فعل المشرع الفرنسي من خلال قانون 03-يناير-1973، الذي أعطى الصلاحية والاختصاص لمؤسسة الوسيط قصد إعطاء الأمر للإدارة لتنفيذ الأحكام التي امتنعت عن تنفيذها، ويكفي فقط تقوية دور هيأة المفوضين القضائيين داخل منظومة التنفيد، وعلى اعتبار أن الأحكام القضائية لها الكفاية الذاتية المخولة لها بمقتضى حجية وقوة الشيء المقضي به فدسترة التنفيذ هي  انعكاس وتكريس «لمبدأ المشروعية الذي يعتبر من أقدس المبادئ  التي أقرها الدستور المغربي التي تجعل تصرفات الدولة خاضعة لمراقبة القانون تبقى ملزمة بتنفيذ القرارات والأحكام الصادرة ضدها، وإلا لما كان لمبدأ المشروعية أي معنى إذا كانت الدولة مستثناة من تنفيذ الأحكام»أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط تحت عدد1206 بتاريخ16-12-1985 منشور بمجلة م- ق4 ص242».
ومن المآخذ التي سجلناها على مقتضيات المادة 583  المشار إليه أعلاه إنها لم تتطرق لا للمؤسسة قاضي التنفيذ بالمحكمة الإدارية ولا للصيغة التنفيذية الخاصة بالأحكام الصادرة عن القضاء الإداري في مواجهة أشخاص القانون العام، فهل هذا يعني الإحالة  بشكل ضمني على المادة 544 من «المشروع» وهذا الأمر إن صح لا يستقيم والمنطق القانوني السليم وذلك راجع لاختلاف المخاطب بالتنفيذ بين أشخاص القانون الخاص والقانون العام.
وبالتالي كان من الضروري التنصيص على صيغة تنفيذية تتماشى وطبيعة أحكام القضاء الإداري، على اعتبار أن الصيغة التنفيذية تشكل عنصر إلزام في إجراءات تنفيذ الأحكام القضائية كيف ما كانت طبيعتها والمخاطب بها، كما أن تفعيل مؤسسة قاضي التنفيذ في مجال تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية يدخل في باب ترشيد وعقلنة عمل هذه المحاكم وذلك بطبيعة الحال بواسطة المفوض القضائي الذي له الاختصاص الأصيل في هذا السياق سواء على مستوى التنفيذات المحلية أو تسليم ملفات التنفيذ مباشرة للمفوض القضائي دون سلوك مسطرة الإنابة  التي هي مسطرة جوازية فقط كما وارد في المادة 439 من قانون المسطرة المدنية الحالي.
 وهذا التوجه  أشار إليه  محمد الصقلي الحسني الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط  في مقاله المنشور على الانترنيت تحت عنوان « التوجهات الدستورية في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية وأفاق تطبيقها»
 و بناء على ما سلف بسطه  يتبين بالملموس انه لا يمكن الحديث عن إصلاح منظومة التبليغ والتنفيذ بدون إشراك المفوض القضائي وتوسيع اختصاصه النوعي والمكاني وتمتيعه بالحماية القانونية التي هي أصلا حماية للإجراءات القضائية وليست امتيازا لشخص المفوض وان كنا قد سجلنا بارتياح  محاولة «المشروع» الجديد  التطرق لمسالة  الحماية من خلال الفصل 547  ولو بشكل غير كاف ولا يرقى لانتظارات المفوضين القضائيين  سيما أن مسالة الاستعانة بالقوة العمومية  كجزء من هاته الحماية مازالت تثير إشكالات عملية مرتبطة بطبيعة الإجراءات الإدارية التي قد تتطلب وقتا طويلا شيء ما وأيضا التكييف القانوني لطلب الاستعانة بالقوة العمومية فان كان الاجتهاد القضائي الفرنسي قد حسم الموقف في الاعتراف للمفوض القضائي بالصلاحية الكاملة في تكييف الأسباب المبررة للاستعانة بالقوة العمومية  دون أن تكون لجهة الإدارية الوصية أي سلطة في رفض الطلب  تحت طائلة تحميل الدولة المسؤولية المدنية عن ذلك,le conseil d’Etat section du contentieux n323411  25novembre2009 inédit au recueil Lebon   فإننا لم نعثر في العمل القضائي المغربي اي اجتهاد يتطرق لهذا الإشكال وبالتالي  نود ان يسفرالتطبيق العملي لمقتضيات المادة 547  عن تيسير مسطرة تسخير القوة العمومية في كل مراحل إجراءات التنفيذ أو عند ضرورة الحماية بدون تعقيد  باعتبارها إحدى الآليات الهامة لتنفيذ الأحكام القضائية جبريا وقسريا عند الامتناع أو المقاومة والعصيان.
خلاصة الأمر أنه لا يمكن أن تتحقق النجاعة والحكامة القضائية بدون تقوية دور المفوض القضائي داخل منظومة التبليغ والتنفيذ من خلال  تكريس احتكاريته لهاته الاختصاصات وتعديل القوانين المنظمة لهاته المهنة بشكل يضمن فعلا الأداء الجيد لمرفق القضاء على اعتبار أن المفوض القضائي المحور الأساسي في ورش إصلاح العدالة.

بقلـم :   ذ  محمد القوص
  مفوض قضائي بفاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق