< د. خالد الحري اليوم (الاثنين)، يشرع ملايين التلاميذ في الالتحاق بفصولهم الدراسية، إيذانا بموسم مدرسي آخر، لن يحمل أي جديد للمغاربة، غير كوابيس الغلاء والمصاريف المرهقة في التسجيل والتأمين، والنقل والواجبات الشهرية والوجبات الغذائية اليومية واللوازم والكتب والمقررات والملابس والوزرات والمعدات الرياضية. فوسط هذه "العاصفة القوية" من المتطلبات والالتزامات والأعباء المالية والضغوطات الاجتماعية والنفسية، يختزل أغلب المواطنين منظومة التعليم والتربية والتكوين والإدماج، إذ لم يعد الكثير منهم يطالب بالجودة، أو القيمة المضافة، أو نوعية البرامج والمناهج وكفاءة الأساتذة، بل أضحوا يطلبون السلة بدون عنب. لقد توارى التعليم، أو ما كان يطلق عليه "المسألة التعليمية"، عن النقاش العمومي منذ سنوات، وغابت الأسئلة الكبرى من قبيل، أي تعليم نريد في القرن الواحد والعشرين؟ وبأي تصور ورؤية وإستراتيجية وكفاءات وتكوين وأطر؟ وبأية أهداف للمستقبل؟ وحضر مكانها سؤال الإكراه المادي، الذي تعانيه الأسر بداية كل موسم دراسي. لقد تحدث جلالة الملك، مرارا، في عدد من الخطب والرسائل عن الطموح العام في توفير تعليم جيد لجميع المغاربة، بكل شرائحهم وباختلاف أعمارهم، تعليم يضمن الانخراط في عالم المعرفة والتواصل ويؤهل للحياة المهنية ويساهم في الارتقاء الفردي والجماعي، كما تم إعطاء هذا الورش التنموي دفعة قوية وانطلاقة جديدة، في إطار نموذج تنموي جديد، يرمي في شقه التعليمي إلى إحداث نهضة تربوية، غايتها تعزيز وضمان الرأسمال البشري، الذي سيساهم في التنمية، مع فتح آفاق واعدة للمستقبل. وبناء على هذه الرؤية الملكية، انخرط القطاع الوزاري الوصي، بمعية شركائه، في عدد من الأوراش والبرامج في السنتين الماضيتين، لم تعط أكلها إلى حد الآن، أو لم تثر الانتباه إليها، لافتقادها أهم حلقة في الإصلاح: "إرجاع الثقة إلى المواطنين في تعليمهم"، وهي مسألة لا ترتبط فقط، برؤية، أو وضع مخطط وبرنامج عمل، بل بثورة تعليمية عارمة، مسنودة بإرادة سياسية حقيقية. لقد عايش المغاربة، منذ التسعينات على الأقل، عددا من الإصلاحات والمخططات والمواثيق والبرامج الاستعجالية والرؤى الإستراتيجية، آلت كلها إلى الفشل، وكثير منها وصل إلى مكاتب النيابة العامة وقضاة المحاكم، في شكل فضائح لنهب المال العام. إن التعليم، اليوم، بالنسبة إلى السواد الأعظم من المغاربة، هو مرادف للنقمة التي تستنزف مداخيلهم التي "تقدد" في بداية السنة، على مصاريف الدخول والتأمين والتسجيل وتكاليف اللوازم المدرسية باهظة الثمن، وبين الواجبات الشهرية التي "تسمن" خزائن تعليم خاص، يزيد انتعاشا واستثمارا، كل سنة، في ظل التراجع البنيوي (والمقصود أحيانا) لجودة التعليم بالمؤسسات العمومية، خصوصا في المستويين الابتدائي والإعدادي. هذه هي الصورة العامة التي تختزل إحباطا وطنيا عارما، تحول فيه التعليم إلى إكراه وضيف ثقيل على الأسر، عوض أن يكون وسيلة واستثمارا في الأجيال المقبلة، وفق خارطة طريق واضحة، لها بداية ونهاية، دون لف، أو دوران. ففي الطرق والأزقة "الالتفافية" وحدها، تنتعش التجارة، ويصبح التعليم سلعة، يخضع لقانون السوق والعرض والطلب. و"الشاطر" من يربح أكثر.