84 يوما من الاعتصام وفيضانات متكررة ومياه بنكهة المجاري حين تلج الدواوير المنكوبة، تجد أمامك طرقات مغمورة بمياه "الواد الحار" الآسنة، التي ينتج عنها انبعاث للروائح الكريهة وانتشار كثيف للحشرات كالبعوض، مما يؤدي إلى مشاكل صحية في صفوف القاطنين بها. ووفقا لما أفاد به السكان، فالشيوخ هم الأكثر عرضة للأمراض الجلدية والتنفسية، من قبيل الربو ومشاكل الحساسية بمختلف أنواعها، إلى جانب الأطفال الذين يلعبون في مياه الصرف الصحي، كما تصاب هذه الفئة بمرض التهاب السحايا المعدي، إذ أكد الأطباء ارتباطه بعدوى بكتيرية أو فيروسية، قد تؤدي إلى الموت حتى بعد تلقي العلاج، إذا كان الطفل يعاني نقصا في المناعة، والدليل وفاة طفلين من دوار عرب إثر إصابتهما بالتهاب السحايا، حسب ما أقر به سكان الدوار. "الواد الحار فاض علينا" يشتكي سكان أيت عميرة، منذ عقد من الزمن، من المعاناة التي يعيشونها جراء مياه الصرف الصحي التي تتسرب من شبكة "الواد الحار" بدواري "العرب" و"احمر"، والتي تصب في أحواض (حفر مفتوحة) حفرت في مدخل الدوارين وبقرب حي تودلي، وتقع وسط السكان، أي بجانب مؤسسات عمومية، على غرار ثانوية الخوارزمي التأهيلية ودار الطالب والثانوية الإعدادية الموحدين. كما أن هاته الأحواض في حاجة إلى الإفراغ المستمر بواسطة الصهاريج الإيكولوجية، وفي حال التوقف عن فعل ذلك، فإنها تفيض على الشارع العمومي والمحلات التجارية والمنازل، بدءا من مدخل دوار العرب مروراً بثانوية الخوارزمي، ووصولا إلى أحواض الماء الصالح للشرب وباشوية أيت عميرة، وتزداد حدة الوضع خلال الأيام الماطرة، بل الأكثر من ذلك، فعدم إفراغها ولد مشكل تلوث الماء الصالح للشرب بمياه الصرف الصحي، نظرا لوجود شبكة الماء في مسار قنوات ومجاري المياه العادمة. وأكد يوسف مستور، أحد المعتصمين، في حوار مع "الصباح"، أن سكان الدواوير المتضررة بأيت عميرة يعانون مشكل الفيضانات المتكررة لمياه الصرف الصحي، لأكثر من تسع سنوات، عندما تمتلئ أحواض تجميعها ويهمل إفراغها من قبل المجلس الجماعي، مما يغرق منازلهم ومحلاتهم، ويعيق حركتهم، إذ تصبح طرقات الجماعة وأزقتها وديانا من المياه العادمة، بل الأنكى من ذلك هو اختلاط الماء الصالح بمياه الصرف الصحي، نظرا لوجود أنابيب الماء في مسار شبكة "الواد الحار"، وبالتالي فعند فيضان أحواضها تتسرب مياهها إلى صنابير هذه الدواوير، ويصبح الماء غير صالح للاستهلاك، خاصة مع الانقطاعات المتكررة له، "كنشربو الماء مخلط بالواد الحار حاشاك"، هكذا أعرب عن استيائه. وأضاف مستور أن لهذا المشكل تبعات صحية على الشيوخ بإصابتهم بضيق التنفس والحساسية، والأطفال إذ تلاحظ البثور على جلودهم، الشيء الذي جعل الآباء يتخوفون من أمراض التهاب السحايا والكوليرا والملاريا. وقال المتحدث نفسه إنه لجأ يوم 5 ماي إلى الاعتصام بمعية أصدقائه بعد طرقهم لجميع الأبواب بصفة قانونية. طرق أبواب المسؤولين ولحل الأزمة قام بعض شباب أيت عميرة، في 29 من شتنبر الماضي، بالتنظيم في شكل لجنة منتخبة من قبل السكان للترافع حول الملف، وطرق أبواب المؤسسات المعنية للنظر فيه. وكان أول الأبواب باب الجماعة، فقد عقدت اللجنة الممثلة للأحياء المتضررة لقاء مع رئيسها لإيجاد حل للمشكل الذي يؤرق السكان. وجاء في اللقاء ذكر الإجراءات المتخذة لحل عقدة السكان من قبل رئيس المجلس الجماعي، علي البرهيشي، والمتمثلة في الدراسة التي انطلقت سنة 2016 بشراكة بينه وبين المجلس الإقليمي لاشتوكة أيت باها، والتي خلصت إلى أن "محطة أكادير الكبير" بقرب "تكاض" التابع لـ"سيدي بيبي"، هي المصب الوحيد الذي يمكنه استقبال مياه الصرف الصحي لأيت عميرة وسيدي بيبي، لكن الجماعة وقفت أمام الحاجز المالي حتى 2019، التي دخلت فيها أيت عميرة لبرنامج وزارة الداخلية الوطني للتطهير السائل ومعالجة المياه العادمة، ليتم في 2020 توقيع اتفاقية شراكة و تمويل إعداد شبكة تطهير السائل بأيت عميرة بين وزارة الداخلية والجماعة ووكالة "رامسا" التي ستنفذ المشروع. وحددت تكلفة المشروع في 18.4 مليار سنتيم، حيث مولته الوزارة الوصية بنسبة 70 في المائة، أي ما قدره 12.9 مليارا، ورصد مجلس الجهة 3 ملايير مقسمة على 3 سنوات (2023 و2024 و2025)، أما الجماعة فقد ساهمت بمليار، في انتظار توفير 1.5 مليار المتبقية. وما زال الترافع قائما من أجل استفادة جماعة "سيدي بيبي" من البرنامج الوطني للتطهير السائل ومعالجة المياه العادمة، وإيجاد مصادر تمويل مشروعها، لأن حل المشكل أصبح متوقفا على إنزال مشروع التطهير بـ "سيدي بيبي". وبعد الاستماع للأغلبية داخل الجماعة في شخص رئيسها علي البرهيشي، عقدت اللجنة لقاء آخر مع المعارضة، وعلى رأسها عمر الشيخ، رئيسها في الولاية السابقة وصاحب مشروع "الواد الحار"، والتي أكدت فشل المجلس الجماعي في تدبير عدة ملفات، مشيرة إلى أنه يمكنه توفير الغلاف المالي لإفراغ أحواض الصرف الصحي بدواري عرب واحمر، ثم إلى إمكانية الحصول على دعم المؤسسات المنتخبة أو غير المنتخبة إقليميا وجهويا، من أجل إفراغ تلك الأحواض. أما إقليميا، فاستقبل عامل اشتوكة أيت باها، جمال خلوق، اللجنة في أكتوبر الماضي، حيث أكد ما جاء به المجلس الجماعي من معطيات، وأضاف أن ملف تطهير السائل بـ "سيدي بيبي" يسير في مساره الصحيح. مضايقات السلطة بعد طرق أبواب المؤسسات المعنية، وعدم تحقق وعودها، لم يبق أي حل للسكان سوى الاعتصام أمام مقر المجلس الجماعي، غير أن اعتصامهم ووجه بالقوة من قبل السلطات المحلية، إذ تمت متابعة المعتصمين بتهمة الإخلال بالسير العام لمرفق عمومي، ولكن حفظت الشكاية لعدم إثباتها، وبالتالي تراجع عدد من الشباب عن خطوة الاعتصام خوفا من المتابعة، علما أن الاعتصام سلمي، حسب القاطنين بأيت عميرة. وفي سياق متصل، أكد أيوب السعدي، أحد المعتصمين، في حوار خص به "الصباح" أنه تفاجأ في اليوم الرابع والسبعين من الاعتصام بالقائد والقوات المساعدة وأعوان السلطة، حيث قاموا بتخريب "العشش" التي تقيهم من الحر والبرد، وصادروا ممتلكاتهم بما فيها حقيبته التي تحتوي على غطاء ومبلغ مالي يقدر بـ 900 درهم وغيرها من الأغراض، رغم مطالبته بإرجاعها. وأضاف السعدي أن من المضايقات التي تعرضوا لها، قطع الكهرباء أمام الجماعة لمدة يومين كاملين، وبعد احتجاجات متكررة عادت الكهرباء. وعبر المتحدث نفسه عن استيائه من الوضع بأيت عميرة، إذ قال إنهم لا يطالبون بمطالب كبيرة، علما أن الجماعة متضررة على جميع الأصعدة، بل يريدون أن يعيشوا في بيئة سليمة فحسب، وأن يشربوا ماء نقيا غير مختلط بمياه الصرف الصحي. رئيس الجماعة: "قمنا بالواجب" أكد علي البرهيشي، رئيس المجلس الجماعي بأيت عميرة، في حوار خص به " الصباح"، أن مشكل "الواد الحار" قائم منذ 2009، إذ أحدث مشروعه بدون القيام بدراسة أولية، إلا أنه بعد سنة بدأت الفيضانات المتكررة، مما أرغم المجلس الجماعي آنذاك الممثل في الرئيس السابق عمر الشيخ، على حفر ثلاث حفر أخرى لتجميع مياه الصرف الصحي، مشيرا إلى أن السكان يستهلكون 360 طنا يوميا من الماء، لذلك لا يمكن لهذه الحفر أن تستوعبها. كما استنكر رؤية الرئيس السابق بإحداث محطة "الواد الحار" في مدخل الدواوير المعنية، مقرا أن المشروع كان من المفروض ترجمته من قبل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وليس من قبل السكان، وبالتالي فما زالت الجماعة إلى الآن تهدر مالها لإفراغ حفر مياه الصرف الصحي. وتابع البرهيشي أن الماء الصالح للشرب اختلط بـ "الواد الحار"، لأن السكان أحدثوا شبكة المياه في مسار شبكة الصرف الصحي، محملا المسؤولية للمواطنين ولرئاسة الجماعة آنذاك. وأقر الرئيس أن بعد سنة من التحاقه بالجماعة قام بدراسة مشتركة بينه وبين المجلس الإقليمي لاشتوكة أيت باها، غير أن المشكل الذي واجهه هو عدم إشراف المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، على المشروع، ولكن بعد مجهودات عامل الإقليم، حسب قوله، تمكنت الجماعة من الدخول إلى المشروع الوطني للتطهير السائل ومعالجة المياه العادمة سنة 2020، مؤكدا أن المشروع يأخذ مساره الصحيح، وسيستغرق ثلاث سنوات، كما استنكر مطالبة المعتصمين بإيجاد حل آني، وقال "لي علينا درناه" ليتحقق المشروع ومازالت الجماعة تفرغ أحواض "الواد الحار" باستمرار. أما في ما يخص التضييقات على المعتصمين، فقد تبرأ منها، وأكد أن أبواب الجماعة مفتوحة لتلقي كل مشاكل السكان، إذ عدد ما تعاني جماعته، على غرار انعدام الأراضي لقيام البنية التحتية، ووجود طبيبين في المركز الاستشفائي فحسب، في حين أنه يلزم 70 طبيبا، مشددا على صعوبة تدبير جماعة قروية يقدر سكانها بــ 120 ألف نسمة، لذلك قام بتقديم حصيلة للإخفاقات التي وقعت فيها جماعته نهاية ولايته الأولى، أي 2021. رسالة لوزير الداخلية في مسيرة البحث عن الحل المفقود، قام المعتصمون الذين يمثلون السكان، بمراسلة وزارة الداخلية للتدخل الاستعجالي لمجابهة الوضع المأساوي في الدواوير المتضررة، وجاء في معرض الرسالة شرح الاختلالات البيئية الناتجة عن سوء تدبير قطاع التطهير السائل، مما جعل أيت عميرة تقف على مظاهر غريبة، كإقامة مطارح النفايات وحفر لجمع المياه العادمة وسط التجمعات السكنية، دون أدنى اعتبار للأضرار الصحية والنفسية التي ستسببها لعموم المواطنين، الشيء الذي دفعهم للانتفاض ضد الوضع، والدخول في اعتصام مفتوح للمطالبة بحل جذري. وطالب المعتصمون برفع الضرر عن القاطنين بالدواوير المتضررة، وتسريع إنزال الشطر الأول من مشروع التطهير السائل المقدر ب 18 مليارا، إضافة إلى فتح تحقيق في مآل مشروع المطرح الإيكولوجي.