fbpx
حوادث

دراسة في القانون : آليات تقييم العمل القضائي: تنقيط القضاة نموذجا(1/4)

معايير تنقيط القضاة عامة وفضفاضة وتفتقر إلى أبسط المقومات الكفيلة بالحفاظ على استقلال القضاة

قد لا يتسع المجال لطرح مزيد من الأسئلة حول موضوع شائك لطالما شغل بال عدد كبير من القضاة والمهتمين وهو آليات تقييم العمل القضائي بالمغرب من خلال نشرات تنقيط القضاة، ولعل ما أسهم في إعادة طرح هذا الموضوع الجديد من جهة هو ما أثير مؤخرا حول الإجحاف الذي طال عددا من قضاة المحكمة الابتدائية بالناظور الشيء الذي دفع بجمعية نادي قضاة المغرب إلى مكاتبة وزير العدل بتاريخ 8-4-2014 من أجل فتح تحقيق شفاف ونزيه حول أسباب اعتماد هذا المسؤول على مؤشرات متدنية لتنقيط القضاة. إلى جانب المبادرة التي سبق لنادي قضاة المغرب أن دشنها بالمطالبة برفع السرية عن نشرات تنقيط القضاة وتمكينهم من الاطلاع عليها على خلفية ما أثير سابقا من تضرر عدد من قضاة المحكمة الابتدائية بسيدي قاسم، في ظل مسؤول سابق من تنقيط سيئ بسبب فضحهم لتصرفات غير مسؤولة صادرة عن المسؤول القضائي وهي التي كانت موضوع عدد من البيانات التي أصدرتها جمعية نادي قضاة المغرب.

أولا: تنقيط القضاة سلطة من ؟  بداية لا بد من الاشارة إلى أن تنقيط القضاة بالمغرب يتم استنادا على مرسوم وزير العدل الصادر بتاريخ 23 دجنبر 1975 والمحدد لشروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم من الدرجة و الرتبة. ومن خلال قراءة هذا المرسوم يمكن إبداء الملاحظات التالية :

-السنوية : حيث ينص الفصل الثاني من مرسوم 23 دجنبر 1975 على أنه تهيأ قبل فاتح يناير من كل سنة لكل قاض نشرة التنقيط تحتوي على نظريات عامة حول شهاداته العلمية ومؤهلاته الشخصية وضميره المهني وسلوكه، وكذا المناصب التي يمكن إسنادها إليه حسب مؤهلاته الشخصية. كما يخصص قسم منها لرغبات القاضي. ولا شك أن هذه المادة تكرس تنقيط القضاة بشكل دوري كل سنة.
-السلطة المختصة بالتنقيط: وقد عبر عنها المرسوم المذكور بالسلطة التي تملك حق التنقيط، حيث يظهر من خلال القراءة الأولى لفصول مرسوم 23 دجنبر 1975 أن المشرع اعتبر التنقيط حقا للمسؤول القضائي في مواجهة مرؤوسيه، وهو ما يبدو من خلال اعتماد مصطلح «حق التنقيط» في مستهل الفصل الثالث من نفس المرسوم والذي تطرق إلى الجهة التي تختص بسلطة التنقيط، حيث يظهر جليا من خلال كيفية صياغة المقتضيات القانونية المنظمة لتنقيط القضاة أن المشرع ( وهو استثناء السلطة التنفيذية التي تولت التشريع في أمور تتعلق بالقضاة) لم ينظر إلى تنقيط القضاة كمجرد آلية لتقييم العمل القضائي وإنما اعتبره حقا للمسؤول القضائي أو لوزير العدل نفسه، ويمكن القول بأن هذا الحق جاء مطلقا غير مقيد بمعايير واضحة أو محددة، وهو ما يفسر سبب تغول السلطة التنفيذية وإلى جانبها الإدارة القضائية في كثير من الأحيان سيما إذا استحضرنا أن الممارسة العملية حولت نظرية المسؤول القضائي التي يعبر عنها من خلال نشرات التنقيط إلى حقائق مطلقة لا تقبل إثبات العكس، إذ تظل هذه النظرية السلبية تلاحق المسار المهني للقضاة وتؤثر سلبا على السير العادي لترقيتهم حتى وإن ثبت فساد المسؤول القضائي وتمت معاقبته من طرف المجلس الأعلى للقضاء في حال ثبوت فعل خطير منسوب إليه. فقد يتغير المسؤول القضائي لكن أثر تنقيطه السيئ لا يتغير طالما أنه ليس للقضاة الحق في الاطلاع عليه، أو مناقشته أو حتى التظلم بشأنه.

-وبالرجوع إلى مقتضيات المرسوم المذكور خاصة الفصل الأول منه، نلاحظ أنه أقر قاعدة مفادها أن جميع القضاة يقع تنقيطهم باستثناء الرئيس الأول للمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) والوكيل العام للملك به.. كما أن المسؤول القضائي بكل محكمة يتولى تنقيط قضاة المحكمة مع مراعاة الاختلاف الموجود بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة.

فبالنسبة إلى قضاة الحكم يتولى الرئيس الأول للمجلس الأعلى (محكمة النقض) تنقيط قضاة الحكم بمحكمة النقض والرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف. ويقوم الرؤساء الأولون لمحاكم الاستئناف بتنقيط المستشارين ورؤساء الغرف بها، فضلا عن تنقيط رؤساء المحاكم الابتدائية التابعة لدائرة نفوذهم، كما يتولى رؤساء المحاكم الابتدائية تنقيط قضاة هذه المحاكم وقضاة المراكز التابعة لها.

و يبدو الأمر مختلفا شيئا ما بالنسبة إلى قضاة النيابة العامة، حيث يتولى وزير العدل تنقيط الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف وكذلك القضاة الملحقين بوزارة العدل، ويقوم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بتنقيط المحامين العامين بها فقط دون أن تمتد سلطته في التنقيط إلى الوكلاء العامين للملك بمحاكم الاستئناف الذين يبقون خاضعين لسلطة وزير العدل بالشكل الذي أوضحناه سالفا.
بينما يتولى الوكلاء العامون للملك لدى محاكم الاستئناف تنقيط نوابهم العامين، وكذا وكلاء الملك لدى المحاكم التابعة لدائرة نفوذهم، ويقوم وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية بتنقيط نوابهم.
أما القضاة الموجودون في حالة إلحاق فيتم تنقيطهم طبقا لمقتضيات الفصل 43 من النظام الأساسي لرجال القضاء أي من طرف الوزير أو رئيس المؤسسة الملحقين بها والذي يوجه نشرات التنقيط المنجزة بهذا الخصوص إلى وزير العدل.

وبالرجوع إلى نشرات التنقيط الحالية التي يتم تعميمها من طرف وزارة العدل على القضاة خلال بداية كل سنة يلاحظ أنها تتضمن مقتضيات مخالفة لنص المرسوم المذكور، خاصة على مستوى قضاة المحاكم الابتدائية، حيث يلاحظ أنها تشتمل على خانة اضافية تتعلق بنظرية الرئيس الأول أو الوكيل العام للملك وهو ما يطرح أكثر من إشكال في حالة مخالفتها لنظرية الرئيس المباشر سيما أن الفصل الثالث من المرسوم المذكور حصر سلطة التنقيط بهذا الصدد في رؤساء المحاكم الابتدائية بالنسبة إلى قضاة هذه المحاكم ، ووكلاء الملك بالنسبة إلى نوابه.

بقلم: أنس سعدون, عضو نادي قضاة المغرب
وعضو مؤسس للمرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى