fbpx
حوادث

فايزي… قاضي الإعدام

آمن بأقصى العقوبات للردع العام وأصدر عشرة أحكام بالإعدام و800 سنة حبسا نافذا

عرفت دكالة قبل ثماني سنوات تصاعدا في جرائم بطابع جنائي، حتى ساد جو من القلق وشعور بغياب السكينة والطمأنينة، وفي خضم ذلك أسندت رئاسة غرفة الجنايات لقاض ملتح، توحي ملامحه منذ أول نظرة أنه من صعيد مصر، ببنية جسدية هي لأبطال في الجيدو أو المصارعة، تدل على حب الرجل للرياضة وشغفه الكبير بها .

كانت صولة عتاة المجرمين لا حد لها، منذ تقاعد القاضي الصلب محمد برحال، الذي نجح في كسرة شوكتهم، وفي نشوة اعتقادهم أن الأحكام الرادعة ولت إلى غير رجعة. ظهر قاض بنفس قناعات برحال، يؤمن أن التساهل في الأحكام ومراعاة ظروف التخفيف، يكونان سببا في أحيان كثيرة، في تمادي المجرمين في غيهم وطغيانهم. ولم يكن سوى المرحوم نورالدين فايزي، المولع بالقنص في الغابات الكثيفة، ومنذ البداية صوب بندقية أحكامه إلى كل من يمثل أمامه من الخارجين عن القانون. يقول عنه المقربون منه إنه كان يبغض بغضا شديدا، التعاطف مع مجرمين قتلة وسارقين ومعترضي سبيل. كان يشتغل فيه هم تحقيق الردع العام وخفض منسوب الجرائم التي هزت دكالة بصفة عامة. يعرف عنه المقربون منه أنه كان كثير الترديد « إن الروح عزيزة عند الله « وهو المشبع في الطور الثاني من حياته بالتدين والإدمان الشديد على الحج والعمرة، بل إنه في مناسبات كثيرة أم الناس في الأوقات الخمس .
وبدا الرجل غاضبا أشد ما يكون الغضب وهو يحاكم سفاح القدامرة، الذي قتل عشرة أشخاص دفعة واحدة ضمنهم والداه، وعاقبه بالإعدام وأسر لمقربين منه أنه لوكان القانون يسمح لحكم عليه بالإعدام عشر مرات.
كان الرجل صاحب نكتة واستبشار خارج المحكمة، لكنه يصبح بوقار نادر استمده من ألقاب عديدة أشهرها : «أبو الإعدام» الذي أطلقته عليه «الصباح»، للدرجة التي يخر فيها أمامه عتاة المجرمين من فرط الخوف من أحكامه، التي لم تكن قاسية كما يعتقدون وعائلاتهم، ولكن لأنه القاضي الذي يدخل الجلسة بدون ظروف تخفيف، ففي فترة 6 سنوات ترأس فيها جنايات الجديدة، أصدر 10 أحكام بالإعدام ووزع 800 سنة حبسا نافذا في قضايا جنائية مختلفة. هي أحكام بدا في أكثر من مرة مزهوا بها، ويبرر ذلك بأنها فعلا حققت المرجو منها من ردع عام، خفض المنحنى التصاعدي للجريمة بكل ربوع دكالة. بل حتى قاعة الجلسات رقم 1 مازالت تردد رجع صدى أحكامه بصوته الجهوري. تلك الأحكام التي غالبا ما كان يعقبها بكاء وعويل من ذوي المجرمين، ولكن قبول واستحسان ومباركة من كل أهالي دكالة، الذين كانوا يرون فيه حامي عرين العدالة وسوطها القوي في وجه ذوي السوابق القضائية.
خارج جو الجلسات كان القاضي فايزي متواضعا محبوبا من الجميع، يعشق الأكل بكل أنواعه سيما التقليدي منه، أكد لي ذات مرة أن الكولستيرول «بدعة»، وأن الصحة « هي لي كتوكل « وزاد «بالرياضة نحرق كل الدهون»، ولذلك كان عاشقا كذلك للرياضة.
و لما حلت الجائحة لم يتخذ الرجل الاحتياطات، وكأن لسان حاله يقول لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وفي صباح مساء يوم 16 يناير 2021، استيقظت الجديدة وكل دكالة على خبر وفاة فايزي متأثرا بإصابته بفيروس كورونا. كانت الجنازة مهيبة شارك فيها رجال ونساء وشباب، ولم يصدقوا أبدا رحيل « قاهر المجرمين «، لكن عزاءهم الوحيد أن خلفه بدر سعيد الرئيس الحالي لغرفة الجنايات، سار على درب الراحل بأحكام لا تساهل فيها أبدا.

عبدالله غيتومي (الجديدة)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى