fbpx
حوادث

سفاح مكناس… مجزرة بطعم الانتقام

ذبح زميليه ونكل بجثتيهما وشرب من دمهما مخلفا رسالة يهدد فيها بارتكاب عمليات أخرى

“اسمحيلي يا أمي وأبي وعائلتي كلها”، “مازال غدا غادي نقتل”، عبارتان ليستا من سيناريو لمشهد مسرحي أو فيلم سينمائي، وإنما رسالة تركها سفاح جماعة بودربالة بإقليم الحاجب البالغ من العمر 23 سنة، بعد ارتكابه جريمة قتل بشعة بذبح زميليه في العمل والتمثيل بجثتيهما، مفضلا كتابة مضمون الرسالة على جدران مسرح الجريمة بدم الهالكين اللذين يتحدران من مكناس، قبل أن يلوذ بالفرار تاركا الضحيتين
مضرجين في دمائهما.

إنجاز: محمد بها

هي جريمة ليست عادية هزت جماعة بودربالة، أخيرا، وأصبحت حديث العام والخاص والصغير قبل الكبير، نظرا لبشاعتها التي تشبه أفلام الرعب، كيف لا والضحيتان البالغان من العمر 20 سنة و 30، كانا يعملان قيد حياتهما عاملي جبس رفقة الجاني وسط بناية لدار العجزة في طور التجهيز، قبل أن يعثر عليهما جثتين مشوهتين بورش للبناء.
وتم افتضاح الواقعة المرعبة، بعد أن عثر مقاول ورشة بناء لدار العجزة عن العاملين، مذبوحين من الوريد، وعليهما آثار عنف على الرأس بواسطة آلة حادة، إذ لم يكتف الجاني بقتلهما، بل فضل العبث بجثتيهما والتفنن في تشويههما، بعد أن أجهز على الضحية العشريني وهو نائم بمطرقة على الرأس، قبل أن يمر لذبحه بعد أن خارت قواه، ثم مر إلى التنكيل بجسده ببرودة دم وكأنه ليس بشرا.
ولم يغادر الجاني مسرح الجريمة، مفضلا انتظار الضحية الثاني البالغ من العمر 30 سنة، إذ تربص له في مكان منعزل، وما إن هم بالدخول إلى الورشة في وقت متأخر من أجل الخلود للنوم، حتى تمت مباغتته بضربة على الرأس بمطرقة، قبل أن يذبحه من الوريد، وينكل بجثته هو الآخر في مشهد مرعب، ليغادر ورشة البناء ويفر إلى وجهة مجهولة.
وبعد مرور ساعات على الجريمة، قادت الصدفة المقاول لاكتشاف فصولها المرعبة، إذ مكن قدومه للبناية للاطلاع على سير الأشغال، من الوقوف على مشهد مستخدميه وهما جثتان مضرجتان في دمائهما وتم التنكيل بهما بشكل لا يمكن للشخص أن يتحمل رؤيتهما.
وسارع المقاول للاتصال بمصالح الدرك الملكي، التي حلت بمسرح الجريمة، وبعد معاينة عناصرها لجثتي الضحيتين، أثارتهما عبارتين مكتوبتين بدمهما على حائط البناية، تتضمن الأولى “إسمحيلي يا أمي ويا أبي وعائلتي كلها” والثانية “مازال غدا غادي نقتل”، وهو ما جعل أصابع الاتهام تحوم حول العامل الثالث الذي يشتغل مع الهالكين في الورش نفسه، خاصة أنه اختفى عن الأنظار مباشرة بعد اكتشاف الواقعة المرعبة.
وبأمر من النيابة العامة، تم نقل جثتي الضحيتين إلى مستودع الأموات بمستشفى محمد الخامس بمكناس، قصد إخضاعهما للتشريح الطبي، بينما باشرت مصالح الدرك الملكي والأجهزة المختصة تحرياتها الميدانية والعلمية وأبحاثها لكشف ملابسات الجريمة لإيقاف الجناة أو المشتبه فيه المختفي.
ومكنت الأبحاث الأمنية من التوصل إلى هوية المشتبه فيه، ما جعل مصالح الدرك التابعة لسرية الحاجب تحت إشراف القائد الجهوي للدرك الملكي بمكناس، تستنفر كافة فرقها لملاحقة الجاني، ووضع جميع الأماكن التي من المفترض أن يتردد عليها تحت مراقبة مشددة، وهي الخطة التي أسفرت عن إيقافه بصعوبة بمساعدة شباب بحي المكسيك بمنطقة سيدي بوزكري بمكناس، بعد عملية مطاردة، إثر اعتدائه على صهره ومحاولته تصفيته هو الآخر.
وتم اعتقال الجاني وحجز سلاحه الأبيض الذي كان بحوزته، قبل نقله للتحقيق معه بسرية الدرك بالحاجب وإحالته على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمكناس لتعميق البحث معه حول المجزرة، التي ارتكبها بجماعة بودربالة.
ومن الأمور الخطيرة التي أثارت النقاش حول التمثيل بالجثث المرتبطة بجرائم القتل، اعتراف الجاني بأفعاله الإجرامية في حق زميليه في العمل اللذين كانا يقيمان معه تحت سقف واحد بورش البناء الذي يعملون به، موضحا أنه قرر تصفيتهما بشكل بشع بدافع الانتقام منهما لأسباب أخلاقية، مشددا على أنه لم يكتف بقتلهما وتشويه جثتيهما، بل اختار شرب كمية من دمهما نتيجة الحالة التي وصل إليها، وهو يرتكب المجزرة بدم بارد.

عوامل متداخلة

قال جواد الدقاقي، محام بهيأة مكناس، إن القانون الجنائي المغربي ينص في الفصل 392 على أن المتورط في القتل العمد يحكم عليه بالإعدام إذا سبقت جريمته أو صحبتها أو أعقبتها جريمة أخرى…، مضيفا “بمعنى أن جريمة القتل إذا اقترنت بظروف التشديد أو ارتكاب أعمال وحشية على الجثة والتمثيل والتنكيل به”.
وكشف المحامي الدقاقي، في تصريح ل”الصباح”، على أن ظاهرة التمثيل والتنكيل بالجثث المرتبط بجرائم القتل البشعة، تطرح تساؤلات مهمة من بينها، هل إلغاء عقوبة الإعدام التي تم تعليق تنفيذها في حق المدانين منذ 1993، سبب في انتشار هذه الظاهرة المرتبطة بالجرائم الوحشية، مشيرا إلى أن الجواب عن هذا التساؤل يحتاج إلى نقاش مجتمعي بحس مسؤول يتم فيه الإنصات لجميع الآراء مهما اختلفت.
وأورد الدقاقي، أن تعليق عقوبة الإعدام ومطالب بعض فئات المجتمع بإلغائها، عامل مشجع على ارتكاب جرائم التنكيل بالجثث المرتبطة بعد عملية القتل، مادام أن المجرم متأكد أن عقوبة الإعدام لن تنفذ في حقه، لأنه يفكر بمنطق “بعد الإعدام الذي لا ينفذ سأعيش في السجن بشكل مؤبد وبعدها بسنوات يمكن أن تصبح العقوبة محددة وفي حال تغير سلوكي يمكن أن أستفيد من العفو من السجن لما تبقى من سنوات خلف القضبان لأسترجع بعدها حريتي وكأن شيئا لم يقع”.
وأورد المتحدث نفسه، أن هناك عوامل متداخلة في تنامي جرائم التمثيل بالجثث، إذ من خلال تحليل التركيبة النفسية للمجرمين، يتضح أن هناك تراكمات نفسية خطيرة أدت بالجاني إلى ارتكابه جريمة القتل العمد ليصل إلى درجة تشويه الجثة والتنكيل بها.
ولم يفت المحامي بهيأة مكناس، تسليط الضوء على تأثيرات المخدرات من الجيل الجديد، التي أصبحت بمثابة حقنات مهيجة لارتكاب أفظع العمليات الإجرامية، يصبح فيها العقل غائبا.

المزاوجة بين الزجري والتربوي

شدد المحامي الدقاقي، على أنه تجب الموازنة بين تطبيق المحاكمات العادلة لإعادة تربية المجرم وتهذيبه والأحكام الزجرية لكي لا تعاد مثل هذه الجرائم البشعة، وفي الوقت نفسه مراعاة لنفسية عائلة الضحية.
وتساءل الدقاقي هل هناك استثمار في المراكز المتخصصة في علاج الإدمان للحد من ظاهرة الجرائم البشعة والتنكيل بالجثث؟، مسلطا في الوقت ذاته الضوء على دور وسائل التواصل الحديثة في تطور أشكال غريبة للسلوك الإجرامي لأفراد المجتمع.
واقترح المحامي إصدار أحكام زجرية تتلاءم مع التركيبة الإجرامية للمجرم، وكذا القضاء على الظواهر المؤدية إلى القتل من مخدرات وعنف، إضافة إلى الاهتمام بالتنشئة الاجتماعية التي تتداخل فيها الأسرة والمدرسة والمسجد ودور الشباب والإعلام.

إصلاح القانون ضروري

كشف جواد الدقاقي المحامي بهيأة مكناس، الحاجة إلى إصلاح القانون الجنائي بما يتلاءم مع الوضعية المجتمعية، مضيفا “هل سنحافظ على عقوبة الإعدام والعقوبات الزجرية، أم ستكون هناك عقوبات بديلة في إطار التربية التي تعتبر أفضل من الزجر؟”.
وأوضح الدقاقي أن ظاهرة التمثيل والتنكيل بالجثث المرتبطة بالجرائم البشعة، تطرح سؤالا حول مدى استعداد المغرب لاستئناف تطبيق عقوبة الإعدام مجددا، بعد أن تم تعليقها منذ 1993، لوضع حد لهذه النوعية من الجرائم، التي تخلف آثارا نفسية على أسرة الضحايا ورعبا وفقدان الشعور بالأمن العام لدى المواطنين، مشيرا إلى ضرورة سن عقوبات أخرى لمعاقبة المتورطين في جرائم ذات جنحة وإرفاق العقوبة بالتربية وإعادة التأهيل، باعتبار أن الجانح المتهم بالسرقة أو المتورط في إصدار شيك بدون رصيد يقضي عقوبات سالبة للحرية لأنه سيجد في السجن ولقاءه بالمدانين في جنايات فرصة للتعلم والوقوع ضحية لتراكمات تحوله من جانح إلى جان بعد مغادرته أسوار السجن.

تشريح علم الاجتماع

يرى علي الشعباني، باحث في علم الاجتماع، أن الجاني يبقى مجرما حتى لو لم يمثل بالجثة ويشوهها، لكن أن يتمادى في جريمة القتل بالتنكيل بجثة ضحيته، فذلك أمر غير عاد.
وأوضح الشعباني، أن المجرم يتميز بنزعة عدوانية حاضرة، لكن من ينكل بالجثث، فهو شخص غير سوي، لأن شخصيته يسيطر عليها الحقد والكراهية، والعقل والمنطق منتزع منه بشكل كلي، إلى درجة يقوم بأفعاله البشعة في تقطيع الرؤوس والتفنن في تفصيل الجثث.
وأضاف الباحث في علم الاجتماع، “الإنسان العاقل، أو الذي يمتلك ذرة من العقل لن يقدر على القيام بمثل هذه الأفعال البشعة، حتى لو تورط في جريمة معينة تصل حد القتل في لحظة غضب نتيجة عراك أو مواجهة بالسلاح الأبيض وغيرها من الطرق، لأنه قد يتحرك بداخله الوازع الأخلاقي والديني ويستيقظ ضميره بعد الوقوع في الخطأ لكي ينبهه على أن ما ارتكبه فعل شنيع، لكن أن يتمادى الشخص في عملية القتل ويستمر في تمزيق الجثة وإحراقها والتمثيل بها والشرب من دم الضحية فيمكن وصفه بالمريض نفسيا وله من العدوانية ما لا يمكن تصوره”.
وأوضح المتحدث نفسه، أنه من بين الأسباب التي تقف وراء القيام بجرائم القتل وتقطيع الجثث والتنكيل بها، غياب العقوبات الرادعة بسن عقوبات مخففة لعدد من الجرائم وتعليق عقوبة الإعدام وبروز عدد من المطالبين بإلغائها، بمبرر الحق في الحياة، واستفحال ظاهرة تناول المخدرات التي تؤدي إلى القتل وتفنن المجرم في تشويه تلك الجثة تحت تأثير غياب الوعي والعقل، إضافة إلى أن هناك أسبابا ثانوية، من قبيل العوامل النفسية المرضية أو بعض الحالات الاجتماعية والمعاناة بسبب العقد الاجتماعية والنفسية، التي تجعله حاقدا على المجتمع.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى