تحول إلى قلق وهم مشتركين بين جميع الشرائح الاجتماعية بعد ارتفاع معدلات الجريمة «كأنه عفريت، بل... برق، لا أعرف...»، تعجز حسناء عن وصف طريقة نشل حقيبتها اليدوية من قبل شاب بسرعة خاطفة في واضحة النهار بشارع أنفا، «لم أشعر به يقترب مني، ولا حتى شعرت باللحظة التي وضع يده على الحقيبة، الشيء الوحيد الذي أتذكره هو أني شعرت بألم في كتفي وسقطت أرضا إلى الخلف، كانت حينها الحقيبة في يده، لمحته يجري بسرعة قبل أن يمتطي دراجة نارية يقودها شاب آخر، والحقيقة أني لم أتمكن من رصد ملامحهما، لأن كل شيء تم بسرعة». لم تصرخ حسناء، واعتقد بعض المارة الذين لم يلاحظوا تعرضها للسرقة، أنها تعثرت، «القليلون فقط تابعوا المشهد، أما آخرون فقد التفوا حولي وبدؤوا يسألون إن كنت مريضة». التجربة التي عاشتها حسناء جعلتها تسير اليوم في الشارع وهي تمسك حقيبتها جيدا، بل تتأبط جزءا كبيرا منها، «حتى اختياري للحقائب أصبح يتدخل فيه الهاجس الأمني، أي أقتني حقائب صغيرة يمكنني التحكم فيها، خاصة أنني أسير لمسافة طويلة بسبب عدم وجود محطات سيارات أجرة كبيرة قريبة من عملي،وأحيانا أتنازل عن بعض حاجيات لادخار مبالغ لركوب سيارة أجرة صغيرة». لم تكن الخفة والسرعة الخاطفة مهارة من مهارات الشاب التي ولدت معه، بل إن عشرات اللصوص عبر النشل يحولون المساحات الفارغة، وبعض الحدائق العمومية إلى نواد مفتوحة للتدريب على سرقة الحقائب اليدوية النسوية، ومنهم من يختص في تدريب اللصوص على نشل محافظ النقود من الجيوب، «رغم أن الأمن يعرفون أماكنهم إلا أنهم لا يتدخلون لإيقافهم في حملات استباقية»، يقول حارس سيارات، تابع بالقرب من الساحة التي تركن فيها سيارات زبنائه حركة أربعة شباب كانوا يتدربون على السرقة. إلى وقت قريب كان حديث البيضاويين عن الأمن بمختلف أحياء المدينة المترامية الأطراف يخضع لمد وجزر، فتحرص النساء على صبغه بلون أحمر لإضفاء مشاهد مرعبة عليه، ويقلل الرجال من كثافته متحدثين عن حالات معزولة في أحياء معينة ارتبطت تاريخيا بالتسيب الأمني. إلا أن هذا المد والجزر لم يعد يجسد الاختلاف في الشهادات، و»أصبح الحذر واجب في كل مكان»، يقول سعيد، موظف يستخدم «الترامواي» للتنقل إلى عمله، «أينما ذهبت أتحسس محفظة نقودي، وأحاول عدم استخدام الهاتف المحمول في محطة الترامواي، كي لا أتعرض للسرقة، بل أتأمل أي شخص يقترب مني كأني أخبره أني منتبه»، مضيفا أنه كف عن الذهاب إلى عمله عبر الحافلات بعد حوادث سرقة تمت داخلها، «في كل مرة أسمع أخبارا عن سرقة ركاب حافلات أتوخى الحذر أكثر. ورغم أن محطة الترامواي بعيدة نسبيا عن مقر عملي، إلا أنني قررت عدم الركوب في أي حافلة واستخدام الترامواي والمشي لحوالي 10 دقائق المسافة المتبقية». هي شهادة يزكيها بيضاوي آخر بالقول «لا فرق اليوم بين النساء والرجال، كلهم يعانون غياب الأمن، إذ يمكن أن تلاحظ اللصوص يتربصون بضحاياهم في كل مكان، وحين تكون الفرصة مواتية يكشفون عن وجوههم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالهواتف». أرقام صادمة19510 قضايا مس بالممتلكات، هو الرقم الرسمي الذي قدمته ولاية أمن البيضاء في فبراير الماضي، مؤكدة أن 15 ألفا و8 قضايا فقط أنجزت منها، وقدم إلى العدالة بموجبها 11624 شخصا من كلا الجنسين، إذ بلغ عدد قضايا السرقة الموصوفة 1124 أنجزت منها 984 قضية، و1724 سرقات بالسلاح الأبيض، أنجز منها 1356 قضية، وبلغت السرقات بالخطف 1950 قضية أنجزت منها 1120، أما السرقات بالعنف فوصلت إلى 1260 أنجزت منها 836 قضية، فيما بلغ عدد قضايا السرقات التي وصفتها الولاية نفسها بالبسيطة إلى 2947 أنجزت منها 1825. هي أرقام صادمة، إلا أنها لا تناسب الأرقام التي يتحدث عنها الواقع المعيش، لأن أغلب الضحايا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسرقات عبر النشل أو السرقات بالسلاح الأبيض أو بالعنف، يعزفون عن تقديم شكايات لما يتعرضون له من معاملة سيئة داخل بعض الدوائر الأمنية، خاصة عندما يضطرون إلى انتظار ساعات للتبليغ عن جريمة، وهنا تؤكد فتيحة، ضحية سرقة تحت التهديد بسيف، أنها لم تبلغ الشرطة «هذا ليس لأن المبلغ الذي استولى عليه السارق لا يتعدى 250 درهما وخاتم، بل لأني أعمل في شركة تطبق إجراءات صارمة ضد المتأخرين عن العمل مهما كانت الأسباب. ورغم أني عشت أياما سودءا بسبب الكوابيس والخوف الذي لازمني لفترة، إلا أني لم أستطع التبليغ عن الجريمة واكتفيت بمواساة عائلتي وجيراني». كانت فتيحة عند محطة حافلات بعين السبع، وإلى جانب امرأة مسنة تنتظر بدورها وصول الحافلة، «كانت الساعة تشير إلى حوالي الثانية زوالا، ولم يكن غيرنا بالمحطة القريبة من محطة وقود، لم تكن ملامحه تشير إلى أنه لص، لأنه كان يرتدي لباسا أنيقا، إلا أنه ما أن وقف لبضع ثوان بالقرب منا، حتى استل السيف لا أعرف من أين واقترب مني مهددا، سلمته الحقيبة والخاتم، ولم يقترب من المرأة المسنة». حذر استباقي... مجرد طرح السؤال على عاملة تقيم بدرب غلف، يجعلها تردد بتلقائية عبارة «الله يسترنا»، قبل أن تضيف «تعرضت عدة مرات للسرقة، عندما كنت أقيم في ليساسفة، وبعد أن انتقلت إلى درب غلف، ومرة كنت أسير في شارع الحسن الثاني، وحاول راكبا دراجة نارية سرقة حقيبتي، إلا أنها سقطت من أحدهما بعد أن تمكن بداية من الإمساك بها، ثم فرا، ولجأت إلى شرطي المرور إلا أنه طلب مني إبلاغ الدائرة الأمنية القريبة. لم يكن الوقت يسمح لي بذلك خاصة أني استعدت حقيبتي». عدد المرات التي تعرضت فيها العاملة للسرقة جعلها تخرج يوميا دون وثائقها الرسمية، «لا أحمل أبدا معي بطاقتي الوطنية أو أي وثيقة رسمية، لأني أعد نفسي يوميا لاحتمال سرقة حقيبتي، لذلك لا أضع فيه إلا بعض وسائل التجميل البسيطة، وحتى النقود أحتفظ بها في جيوب سروالي أو في صدريتي». ليست هذه العاملة وحدها من يفكر يوميا في احتمال تعرضه للسرقة بالبيضاء، بل أكدت مستخدمة أخرى بكشك للأنترنيت أنها لم تعد تحمل حقيبتها النسائية، بل لجأت إلى طريقة قديمة للاحتفاظ بأهم أغراضها، فتقول ضاحكة، «بعد أن سرقت مني ذات مرة حقيبتي وضاعت وثائقي ومبلغ بسيط، طلبت من جدتي أن تخيط لي باليد سرة كما تفعل هي، لأحتفظ فيها بالضروريات». تحزم المستخدمة سرتها بخيط إلى حمالة الصدر، «هكذا لن تضيع أغراضي الصغيرة على الأقل، خاصة أنني ملزمة بالوصول إلى العمل مبكرا، لتنظيف المحل استعدادا لاستقبال الزبناء». الخوف من السرقات بالنشل هاجس مشترك بين النساء والرجال من جميع الشرائح، «رغم أني لا أملك شيئا ثمينا أخاف عليه من السرقة، إلا أني أشعر بالخوف وأنا أسير في الشارع، لم يعد بمكاني قضاء أي غرض دون أن أصحب معي شخصا آخر، سواء من أبنائي أو زوجي» تقول ربة بيت بالحي الحسني، مضيفة أنها إن فكرت في الذهاب إلى السوق تضطر إلى انتظار عودة أبنائها من المدرسة، «لا أخشى السرقة فحسب، بل إني أرى يوميا مشردين يمرون وهم في حالة تخدير، يتحرشون بالنساء مهما كان سنهن، ومهما كانت هيأتهن، لذلك إذا كنت بحاجة إلى غرض ما فإني قد أطرق باب جاراتي لأطلب من إحداهن مرافقتي أو أنتظر أبنائي». الشعور بانعدام الأمن لا تترجمه شهادة ربة البيت فحسب، بل إن أغلب شهادات الطالبات والتلميذات تشير إلى إحساسهن بحالة «سيبة»، على حد وصف مشترك بينهن، وأغلبهن يخشين التعرض للاغتصاب، ولا يخيفهن أن يخسرن حقائبهن بقدر ما يخشين التعرض للاختطاف، وهي حالة تعكسها الأرقام الصادمة عن حالات الاغتصاب التي تتحدث عنها تقارير الجمعيات الحقوقية النسوية. ضحى زين الدين