الموساوي العجلاوي أستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية قال إن مواقف بوتفليقة تعبير عن إعادة الأجهزة لتشكيل الدولة العميقة أكد الموساوي العجلاوي، أستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية، أن السبب الرئيسي للتصعيد الجزائري ضد المغرب هو صراع الأجهزة الجزائرية على تولي منصب نائب الرئيس، وذلك في إطار ترتيب المرحلة المقبلة التي ستجعل الرئيس بوتفليقة واجهة فقط في ما سيسمى "الولاية الرابعة"، ومن ثم تجري عملية تسويق صورة أن الرئيس قادر على الإمساك بالقرارات الإستراتيجية لمحو صورة الرئيس المريض العاجز، متوقعا إجراء تعديل دستوري يرسم ملامح فترة الحكم المقبلة بشعار الاستمرارية، باستحداث منصب نائب الرئيس، وأن الصراع على أوجه حاليا لاختيار هذه الشخصية التي ستكون الواجهة البديل في حال وفاة الرئيس أو عجزه الجسدي أو العقلي. في ما يلي نص الحوار: كيف ترصدون خلفيات التصعيد الجزائري الحالي ضد المغرب؟ لم يأت التصعيد الجاري في العلاقات المغربية الجزائرية نتيجة حدث عابر، بل هو تعبير عن إعادة تشكل الدولة العميقة في الجزائر، والمغرب ورقة أساسية في هذه العملية، والصحراء مدخل من المداخل المغربية في السياسة الداخلية الجزائرية، ويمكن رصد مسببات هذا التصعيد على مستوى ثلاثة محاور، أولها مستجدات ملف الصحراء والجولة الأخيرة لكريستوفر روس، وثانيها المخاض الذي تجتازه الدولة العميقة بالجزائر لترتيب ما بعد مرحلة بوتفليقة، بالإضافة إلى تخوفها من تنامي دور المغرب إقليميا. معنى هذا أن الهدف من التصعيد هو التأثير على الموفد الأممي إلى الصحراء؟ هناك رغبة لدى مراكز القرار في الدولة العميقة للجزائر بتوظيف ورقة الصحراء، وذلك من خلال التأثير في التقرير الذي سيقدمه للأمين العام للأمم المتحدة، على اعتبار أن المنطقة قد تجتاحها موجات عنف إذا لم تلجأ الأمم المتحدة لاستفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية، بيد أن قرار إشعال العنف ليس في يد بوليساريو ومن تحتضنه في التراب المغربي، إن القرار في يد الأجهزة الجزائرية المتحكمة في مسار ملف الصحراء، ومنذ عام 2012، اشتعلت الحدود الجنوبية للجزائر مع مالي، وتركت وما تزال آثارا لن تنمحي في الغد القريب، واشتعلت هذه الأيام الحدود الجزائرية الليبية والحدود الجزائرية التونسية، وقد تنجرف الحدود النيجيرية الجزائرية في هذا المستنقع الأمني الذي يهدد دول المنطقة، والذي يتجاوز طوله ثلاثة آلاف كيلومتر، ولذلك لن تحتمل الجزائر ثقل إشعال النار في حدودها الغربية، لأن افتعال حوادث عنف في الصحراء معناه إعلان حرب من الجزائر على المغرب، ومع هذا وذاك، يجب أن نتذكر حرب الرمال في العام 1963، إذ كشفت روايات الفاعلين السياسيين والعسكريين الجزائريين من خلال المذكرات التي صدرت في السنتين الأخيرتين، أن الهدف من تلك الحرب كانت بهدف إضعاف الرئيس بنبلة وتهييء الانقلاب العسكري الذي وقع عليه في يونيو 1965. ومهما يكن من أمر، فالظاهر أن الأجهزة الحاكمة في الجزائر ترى أن ورقة "حقوق الإنسان في الصحراء الغربية" ورقة رابحة داخليا وخارجيا، إذ تصرف من خلالها الأنظار عما يجري داخليا على مستوى الحريات الفردية والجماعية، خاصة ما تعلق بخنق الجمعيات الحقوقية، كما هو الحال بالنسبة إلى جمعية مفقودي الحرب الأهلية وجمعيات حقوق الإنسان والجمعيات المدنية كجمعية مكافحة الفساد. وخارجيا، تهدف الأجهزة الحاكمة في الجزائر إلى استغلال ورقة حقوق الإنسان، لتصبح عنصرا فاعلا ومعلنا في نزاع الصحراء، وهو أمر قد يرتد على هذه الأجهزة، إذ تتحول الأنظار إلى لب الإشكال بأن الأمر يتعلق بنزاع مغربي جزائري. ماذا يمكن أن يربح النظام الجزائري من الحرب على المغرب؟ تجتاز الدولة العميقة في الجزائر منعرجا حادا في ترتيب ما بعد مرحلة بوتفليقة، منعرج أهم سماته استغلال واجهة الرئاسة في إعادة توزيع الأدوار، وتجلت التغيرات الأخيرة في التعديل الوزاري الذي أطاح بوزراء كانوا محسوبين إلى عهد قريب على مصالح خاصة، وزرع 11 وزيرا جديدا، وتمت تغييرات في وزارات السيادة مكنت شخصيات محسوبة على الرئيس من أهمها وزير الخارجية الحالي، وذلك لتنفيذ المرحلة المقبلة التي ستجعل الرئيس بوتفليقة واجهة فقط في ما سيسمى "الولاية الرابعة"، ومن ثم تجري عملية تسويق صورة أن الرئيس قادر على الإمساك بالقرارات الاستراتيجية لمحو صورة الرئيس المريض العاجز، وإبعاد من ينادون بالكشف عن الملف الطبي وإعمال الفصل 88 من الدستور، وهذا ما يفسر "رسالة " الرئيس بوتفليقة الحادة إلى ندوة لجمعيات مدنية في أبوجا بنيجريا لمساندة "الشعب الصحراوي". وفي السياق نفسه، تم الإبقاء في التعديل الوزاري الأخير على وزيرين دافعا عن الولاية الرابعة، وهما عمر غول وعمارة بن يونس، في حين أبعد عمار تو ورشيد حراوبية وعبد العزيز زياري، وهم من أهم معارضي تولي عمار سعداني، الأمانة العامة لجبهة التحرير الجزائرية، هذا مع العلم أن النظام الجزائري قائم على ثلاثية مقدسة: جبهة التحرير الجزائرية، وهي الحزب الوحيد الذي أمسك بخناق الجزائريين قرابة ثلاثين سنة، ولم ينته جبروتها شكلا إلا في العام 1988، بعد انفجار تظاهرات شعبية في كل المدن الجزائرية، استرعى انتباه الملاحظين حينها حرق المتظاهرين لمقرات بوليساريو، و"الإفلان" هي الواجهة السياسية للنظام، ثم نجد "سونتراك"، وهي الواجهة الاقتصادية والمالية للنظام، وقد هدد الوزير السابق خليل، بالكشف عن كل الحقائق، وربما هذا ما دفع بعض الأجهزة لتسهيل خروجه من البلاد. ثم الرئاسة، الركن الثالث للنظام السياسي الجزائري. ويمكن تفسير العديد من الأحداث التي وقعت في الآونة الأخيرة بهذه الثلاثية. كيف تتوقعون سيناريو الدولة العميقة من أجل إعادة أنتاج النظام الجزائري؟ انطلاقا مما تنشره مواقع جزائرية متضررة مما يجري من تصفية حسابات داخل الأجهزة الجزائرية، يتوقع ترتيب المرحلة المقبلة، التي تعد الورقة المغربية أساسية فيها، بإجراء تعديل دستوري لرسم ملامح فترة الحكم المقبلة بشعار الاستمرارية، وذلك باستحداث منصب نائب الرئيس، ولعل الصراع على أوجه حاليا لاختيار هذه الشخصية التي ستكون الواجهة البديل في حال وفاة الرئيس أو تبيان عجزه الجسدي أو العقلي، وهذا الاختيار سينعكس على تحديد المسؤوليات في المستويات الدنيا على أساس الولاءات. كما سيتجه النظام نحو تحجيم دور مديرية الاستعلامات والأمن (DRS) وتحييد تأثيرها في صناعة القرار السياسي، وتأتي في هذا السياق القرارات الأخيرة للرئاسة بنزع صلاحياتها لصالح مؤسسة الجيش، وحل مصلحة الشرطة القضائية التابعة لهيأة الاستعلامات والأمن، ونقل الإشراف على مديرية أمن الجيش إلى قائد أركان الجيش قايد صالح، الذي أصبح الرجل القوي في النظام الجزائري، منذ أن عين خلفا لمحمد العماري، وأصبح قايد صالح نائب وزير الدفاع الجنرال عبد المالك كنايزية، لكن كثيرا من الأحداث الأخيرة تبرز أن النائب أصبح أقوى من الوزير.لكن معادلــة تقوية قايد صالح تقتضي إضعاف الرقم الآخر، وهــو محمد مــدين المعــروف باسم "الجنرال توفيق" وكــل التعديلات الأخيرة في مديرية الاستعلامات والأمــن هدفت إلى إزاحة الجنرال توفيــق من دائرة القرار، إذ أن مديرية الاستعلامات كانت أهم الأدوات التي تحرك الحياة السياسية وتوجيه الإعلام وتحليل المعلومات ومراقبة ضباط الجيش، والخطــوة الثانية كــانت" إقالة" الذراع اليمنى للجنرال توفيق وهو الجنرال جبار مهنا، إضافة إلى سبعة ضباط محسوبين على جبار. وقد أطلــق عمار سعــداني الحرية للسانــه في التعليق على هــذه الأحداث، بأن الرئيس بوتفليقــة يشن حربا على جهــاز الاستخبارات، لكنه زجر بطريقــة تفهمه ألا يتجاوز الــدور المرســوم له. وقــد تم استغــلال هجــوم عين أمناس في يناير 2013 واختطاف سبعة دبلوماسيين في غاو في أبريل 2012، وانفراط ورقة رجال DRS داخل جماعة "حركة أنصار الدين" في مالي، وبروز "حركــة التوحيد والجهاد وقيــامها بهجومــات استعــراضية في وركلة وتــامنراست، كلها أوراق اعتبرها الجيش أوراقا خاسرة، ووظفــت لمعاقبة الجنرال توفيق، وفــي الوقت نفسه القيــام بالترتيبات السياسيــة الجديدة. الخطوة الأخيرة في تصفية نفوذ الجنرال توفيق كانت حل "مصلحة الإيصال والتوثيق" في مديرية الاستعلامات والأمن، وهــذه المصلحة مارست التوجيه والمراقبــة على الصحافة الجزائرية من خــلال تحكمها في الإشهار العمومي، وهي المصلحة الثالثة التي أمكن تفكيكها، ومن المنتظــر تفكيــك مصالح أخــرى كما الحال بالنسبة إلى مصلحة تأهيــل إطارات الدولــة وإدخال تغييرات على مديريات أخرى ك"الأرشيف والتلخيص" هــذه القرارات الهيكليــة تبــرز مــرة أخــرى الصراع الأبــدي بين رجــال الشــرق ومجموعــة الغــرب المعروفة "بجمــاعة وجــدة"، وهذا أمــر قــد يعتبره البعــض بــداية حــرب حقيقيــة بين الجناحين المتصارعين علــى السلطة. تنامي دور المغرب في المنطقة يزعج الجزائر التخوفات التي أعلن عنها عدد من المسؤولين الجزائريين من تنامي دور المغرب إقليميا، خاصة بعد التدخل الفرنسي في شمال مالي، وزيارة الملك محمد السادس لباماكو للمشاركة يوم 19 شتنبر في تنصيب الرئيس المالي إبراهيم بوبكار كيتا، والخطاب الملكي الذي تضمن رسائل متعددة، إضافة إلى أن المغرب بصدد تهييء القمة المقبلة لتجمع دول الساحل والصحراء، وهو أكبر تجمع إقليمي في إفريقيا، كلها مؤشرات تبرز دور المغرب الاقتصادي والسياسي في إفريقيا إلى جانب دولة جنوب إفريقيا، وهذا أمر يزعج أصحاب القرار في الجزائر. هاجس القيادة الإقليمية في المنطقة يسيطر على عقلية القيادات الجزائرية، لأن هذا الوعاء الدعائي يتيح استحلاب الرصيد المالي من بيع المحروقات والذي وصل إلى 200 مليار دولار، إضافة إلى وضع أكثر من 12 في المائة من ميزانية الدولة لشراء أسلحة خاصة من روسيا، أسلحة تتجاوز بكثير الأهداف الدفاعية، ما يزيد الطين بلة أن الفاعل الجديد في إفريقيا، وهو دولة جنوب إفريقيا، توظف في الوقت نفسه جبهة بوليساريو والسياسة الخارجية الجزائرية لزرع المشاكل في منطقة تعتبر محبوسة على النفوذ الفرنسي، وذلك في صراع قاري بين فرنسا ودولة جنوب إفريقيا، وتهدف دولة جنوب إفريقيا من وراء تحركاتها في الساحل والصحراء طرد فرنسا من الكونغو كينشاسا، جنة المعادن والمحروقات في إفريقيا. وترمي إستراتيجية دولة جنوب إفريقيا إلى الهيمنة على إفريقيا جنوب الصحراء، وتشكيل فضاء لإفريقيا السوداء، ولتحقيق ذلك تفرض سيطرتها الاقتصادية والمالية والعسكرية على عدد من الدول، وفي هذا السياق تظل الورقة المغربية عائقا أمام تحقيق حلم دولة جنوب إفريقيا، فالمغرب أصبح ثاني مستثمر إفريقي في القارة، والتحولات الإستراتيجية الأخيرة في غرب إفريقيا تعطي للمغرب بعدا سياسيا إقليميا جديدا. أجرى الحوار: ياسين قطيب