fbpx
وطنية

تونس تفتح صفحة جديدة

استقرار البلدان يجب أن يبنى على الديمقراطية وليس على قمع المعارضين والرقابة على “يوتوب” و”فايسبوك”

لم تكن ليلة الخميس الجمعة عادية في تاريخ تونس. أولى البوادر بدأت من التلفزيون إذ فهم التونسيون أن شيئا ما يحدث. فالمحطات التي لم يمكن بوسعها توجيه النقد إلى السلطة، ظهرت عليها بوادر وأعراض التحول من خلال استضافة وجوه مغضوب عليها لم تطل على التونسيين عبر الشاشات منذ سنوات.
من بين هذه الوجوه كان حاضرا المعارض توفيق عياشي وناجي الباغوري، النقيب السابق للصحافيين. واطلع المشاهدون على نقاش حول وسائل الإعلام في تونس وصل حد انتقاد أحد المنتمين إلى العائلة الرئاسية.
أكثر من هذا، فاجأ الرئيس زين العابدين بن علي، الذي يرأس تونس لأكثر من 23 عاما، تحت ضغط أسابيع من الاضطرابات، التونسيين بخطاب تلفزيوني مشحون لمح فيه إلى أنه لن يخوض انتخابات الرئاسة عام 2014، كما أمر الشرطة بالامتناع عن إطلاق النار على المحتجين، ووعد بتحرير وسائل الإعلام.
فخرج التونسيون من بيوتهم إلى شوارع وطن مختلف، بعد أن أخذ الذين كانوا يئنون تحت القيود التي فرضتها إدارة بن علي على الحريات المدنية، يلوحون بالأعلام، ويرقصون ويطلقون أبواق السيارات، ويرددون النشيد الوطني.
أكيد أن «مسلسل الحرية» في تونس لم ينته عند خطاب الرئيس، إلا أن مجموعة من الخلاصات والاستنتاجات والدروس يجب استخلاصها من تجربة هذا البلد المغاربي.
أولى هذه الخلاصات القديمة قدم التاريخ هي أن حقوق الشعوب تنتزع ولا تقدم على طبق من ذهب، وأن الحرية مصير حتمي للشعوب. فالخطاب الذي انتظره التونسيون منذ سنوات خلت لم يتأت إلا بعد الخروج إلى الشارع وهز سكون السلطة وأيقظها من سباتها.
المغرب، وإن لم يكن جنة للديمقراطية وحقوق الإنسان، يتوفر، على الأقل على أحزاب ذات خلفية تاريخية، ومعارضة حقيقية، ومتنفسات للاحتجاج والمطالبة بالحقوق، وحديقة البرلمان بشارع محمد الخامس شاهدة على المئات من الوقفات الاحتجاجية منذ تسعينات القرن الماضي حتى اليوم.     
إن استقرار البلدان يجب أن يبنى على الديمقراطية وأسسها، وليس على قمع المعارضين وخنق الأصوات والرقابة على «يوتوب» و»فايسبوك». فالاستقرار الذي صنع «أسطورة تونس» تبين أنه استقرار هش وخادع لن يسفر سوى على النتائج العكسية.
ثانيا، فإن حديث بن علي عن عدم معرفته بإطلاق النار على المتظاهرين عذر أكثر من زلة، فهو دليل آخر على الفجوة الكبيرة بين رأس السلطة والشعب إلى درجة تجعله غير ملم بما يجري في بلد يغلي شبابه. «تمت مغالطتي من بعض المسؤولين بالنسبة إلى الأداء الديمقراطي والحريات، وستتم محاسبتهم”، يقول بن علي. فالتعتيم أمر لم يعد ممكنا في وقت لا يبحث فيه المرء عن المعلومة بل تقتحم عليه بيته وتحطم أسوار الرقابة. تونس على غرار تجارب أخرى، علمتنا أن الرقابة وهم والمنع جنون.
ثالثا، رسالة تونس لا تعني التونسيين وحدهم بل موجهة إلى الجميع. إنها ثورة الياسمين وثورة الجوع وثورة الغضب وثورة الغلاء… ومهما أعطيناها من أسماء ومنحناها من نعوت فهي في الأول والأخير ثورة للحرية. إلا أنها ثورة ستكتب أول حروفها على ورقة بيضاء وعليها أن تبتكر مؤسسات تضمن هذه الحرية وترسي ميكانيزمات للديمقراطية حتى لا تسقط في الفوضى والعبث اللذين يحدقان بأي ثورة شعبية غير مؤطرة.
فرغم محاولات الرئيس بنعلي تهدئة “غضبة” الشارع التونسي، احتشد المتظاهرون أمام مقر وزارة الداخلية، ورددوا شعارات مناهضة للأجهزة الأمنية، منها “ارحلوا”، و”الحرية لتونس”.
ويرى المتظاهرون أن قرار الرئيس بعدم خوض انتخابات الرئاسة القادمة، ليس كافيا. ويهتف المتظاهرون الذين بدأوا عشرات قبل أن يصبحوا مئات في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة “انتفاضة مستمرة وبنعلي برة” و”بالروح بالدم نفديك يا شهيد” و”الشعب يريد استقالة بن علي” و”لا لا للطرابلسية الذين نهبوا الميزانية” في إشارة إلى عائلة زوجة الرئيس ليلى الطرابلسي.
وبعد أن شكلت عناصر الشرطة حاجزا أمام المتظاهرين تراجعت وفتحت المجال لتقدم المتظاهرين وهم يهتفون قرب وزارة الداخلية “وزارة الداخلية وزارة إرهابية”.
إننا نشهد ميلاد تونس جديدة، تونس مختلفة عن تلك التي ولدت في 20 مارس 1956 عندما نالت الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، أو في 1987 عندما أصبح بن علي رئيسا، فهذه الثورة الجديدة ثورة حقيقية لكنها ثورة على صفحة بيضاء مفتوحة على جميع الاحتمالات.

جمال الخنوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى