مجتمع

سكان أزرو يشيعون قطاع الصحة

نظموا وقفتين في أقل من أسبوع ويطالبون بالتسريع بمنحهم بطائق راميد

أغضبت مشاكل الصحة بأزرو، مواطنين فقراء سئموا من سوء المعاملة وسيادة مظاهر الزبونية والمحسوبية، فخرجوا مدعومين بفعاليات مدنية في مسيرات غضب رفعوا فيها شعارات ملخصة لمشاكلهم بعدما طال انتظار بعضهم للحصول على بطاقة “راميد” الكفيلة بولوجهم إلى الخدمات الصحية، مجانا أمام عجزهم عن تدبر تكاليف التطبيب في المصحات المختصة. وقفتان احتجاجيتان في أقل من أسبوع، دعت إليهما عشرات الجمعيات من مشارب وأطياف مختلفة، ومواطنون من مختلف الأعمار، استجابوا للنداء وخرجوا بأعداد مهمة، رافعين نعش القطاع إلى مثواه الأخير، فيما يشبه الموكب الجنائزي المشيع لجثمانه العليل المحتاج لجرعات كفيلة باستئصال أورامه وإنقاذه من السكتة القلبية التي توشك أن تباغته من حيث لا يدري والقائمون عليه.  

فعاليات تشيع جثمان القطاع

شيع مواطنون وفعاليات مدنية بأزرو، جثمان قطاع الصحة بإقليم إفران في موكب جنائزي رهيب استقر أمام أكبر مستشفى بالمدينة. وحملوا في شكل احتجاجي جديد يرتقب أن تعقبه احتجاجات تصعيدية، نعشه على أكتافهم على إيقاع شعارات كشفت عورة القطاع العليل، فيما رأت الشغيلة الصحية أن تلك الاحتجاجات “سياسوية” تروم المس بكرامة الأطر الصحية بالإقليم.
نحو 50 جمعية محلية من مشارب مختلفة، خاصمت صمتها وأعلنت حربا على مساوئ ومشاكل القطاع. ووضعت على عاتقها مهمة النضال لإصلاحه، وتحسين خدماته والقطع مع أساليب المحسوبية والارتشاء وسوء معاملة المرضى. ولم تكتف باحتجاج سابق، بل دعت إلى وقفة احتجاجية ثانية زوال الجمعة 2 غشت للفت انتباه مسؤولي القطاع والإقليم، إلى مطالبها العادلة.
التدهور الذي وصلت إليه خدمات القطاع، دافع أساسي لوقفتها الثانية أمام المستشفى المتعدد الاختصاصات بأزرو، بعد أربعة أيام فقط على أول وقفة للتأكيد على ضرورة مباشرة إصلاح جذري لقطاع بحاجة إلى جرعات أنسولين عوض الاكتفاء بتضميد جراح عميقة لن تلتئم إلا بتكثيف جهود كل الأطراف واجتثاث بعض الأمراض المستشرية بحدة، والتي تنخر أحشاءه عن سابق إصرار.
تحسين الخدمات ومحاربة كل أشكال الزبونية، مطلبان لخصهما المحتجون في شعاراتهم الحماسية وهم يحملون نعش هذا القطاع في شكلهم الاحتجاجي، دون أن يتناسوا المطالبة بإيقاف مسلسل سوء المعاملة التي يتلقاها المرضى في المستشفى المذكور وغالبية المراكز الصحية والمستوصفات الموجودة بإقليم إفران، المحتاجة إلى دعم بنياتها ومواردها البشرية والمادية.
ولفت الغاضبون انتباه مسؤولي الصحة، إلى الوضع المقلق الذي تعيشه ويرافقه واقع التدني في الخدمات وتبعاته الخطيرة على صحة المواطن خاصة الفقير الذي يعاني الأمرين، ولا حيلة له للولوج إلى المصحات لضمان تطبيبه وعلاجه في انتظار من يلتفت إليه بعين “الرحمة” لتخليصه من وضع لا يحسد عليه مع خدمات قطاع تعوزه الصحة والعافية ويحتاج العلاج.

بطاقة “راميد” تثير غضب الفقراء

ولم تكن المشاكل السالفة الذكر، وحدها وراء هذا الاحتقان الاجتماعي الذي عاشته أزرو ويهدد بتطورات جديدة ما لم يتم التدخل العاجل لرأب الصدع وتضميد الجراح، بل أجج غضب المحتجين، عدم إيجاد حلول عاجلة لبطاقة “راميد” التي تكفل لوحدها بعد تغييب “شهادة الضعف”، الولوج إلى خدمات مستشفيات الإقليم، دون أداء واجبات.
أصوات الاحتجاج والاستنكار، تزداد في ظل تأخر توفير هذه البطاقة للمواطنين المحتاجين إليها، أمام ارتفاع سهم الأسئلة المؤرقة حول الجهة القادرة على التدخل العاجل لتجنيب المواطنين هم انتظار الذي “قد لا يأتي” لضمان علاج مجاني مؤجل أو على الأقل متعثر إلى أجل قد يطول أو يقصر، فيما تبقى عيون الفقراء معلقة تنتظر رحمة من المخول إليهم تسهيل حصولهم عليها.
وتعترف أرقام رسمية بوجود عدد هائل من طلبات الحصول على هذه البطاقة التي تضمن حقا دستوريا وطبيعيا في العلاج المجاني، والمقدرة بنحو5 آلاف طلب توصلت بها باشوية أزرو منذ إطلاق هذه المبادرة الإنسانية الهامة وتم الفصل فيها من قبل اللجنة المحلية، ما تزال في قاعة انتظار البت والإفراج عنها، مؤكدة أن 3346 بطاقة أنجزت وسلمت لأصحابها.
والغاضبون على هذا المشكل، لم تفتهم الفرصة دون الإشارة إلى حجم الضرر الذي يلحق الفقراء والمرضى ممن ينتظرون تلك البطاقة الضامنة لحقهم المشروع في التطبيب المجاني، في انتظار التفاتة تسرع بالإجراءات الضرورية التي لم ينكر مصدر مطلع كونها تتطلب وقتا للبحث في مداخيل طالبيها للحيلولة دون منحها إلى من لا يستحقونها من المواطنين ميسوري الحال والدخل.
لكن هذا الأمر لا يهضمه المعنيون أو المحرومون مؤقتا منها، بالنظر إلى حاجتهم إلى التطبيب والعلاج الذي لا يمكن أن ينتظر طويلا، خاصة بالنسبة لبعض المصابين بالأمراض المزمنة أو التي تتطلب مصاريف باهظة لتأمينهما، ما قد يزيد من تأجيج الأوضاع أمام تضامن فعاليات المجتمع المدني واحتجاجها لتحقيق المطالب المعلقة بخصوص هذه البطاقة.

انتظار حلول جادة لمشاكل مزمنة

ينتظر الغاضبون من سوء أحوال الصحة بأزرو، التفاتة رسمية حقيقية لتهدئتهم بحلول عملية جادة متعلقة بالقطع مع مظاهر المحسوبية ببعض المستشفيات وسوء معاملة المرضى الموجهة أصابع الاتهام بشأنها إلى أطر طبية، لم تستسغ بدورها أن توضع في فوهة بندقية في مشاكل صحية لا يد لها فيها، أو أن تكون أداة في أياد سياسوية لتطويع المسؤولين عن القطاع.
ولا يقتصر الأمر على تدخل منتظر من مسؤولي القطاع بالإقليم، بل يتجاوزهم إلى الجهات المركزية المطالبة بالالتفاتة إلى مشاكل قطاع الصحة بإفران، بمن فيها الوزارة الوصية المطالبة بدعم البنيات الصحية الأساسية وتوفير التجهيزات الطبية والأطر الضرورية لتأمين عمل بنايات قد تتحول في بعض الأحيان، إلى مجرد أسوار فارغة حتى من الأهداف المشيدة لأجلها.
مثل هذه المشاريع الصحية، حاجة مختلف أنحاء المنطقة، ماسة إليها، على غرار ما وقع أخيرا من تدشين مركزين للولادة بمنطقتي أكدال والبقريت وتجهيز المستوصف المحلي، وشراء سيارة مجهزة للإسعاف في إطار مشاريع للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تم إطلاقها لمناسبة احتضان منطقة البقريت للدورة الرابعة لمهرجان الجبل للفروسية حول “آليات تنمية المناطق الجبلية”.
ورغم أن مثل هذه المشاريع تبقى ضعيفة، فإنها على الأقل تساهم في تذويب جزء من مشاكل فئة عريضة من المواطنين قاطني مداشر وتجمعات سكنية قروية بحاجة ليس فقط إلى مشاريع تقرب سبل ووسائل التطبيب منهم، بل إلى كل ما من شأنه أن يعزز استقرارهم بمناطقهم الوعرة والحيلولة دون أي تدفق إلى المدن القريبة وما يرتبط بذلك، من مشاكل هي في غنى عنها.
هؤلاء المواطنون وغيرهم بحاجة إلى الإنصاف لضمان تصالحهم مع واقعهم الذي لا يحسدون عليه، بالنظر إلى معاناتهم فيه وطول انتظارهم مبادرات رد الاعتبار إلى ذواتهم التي أنهكتها شتى الأمراض المزمنة منها والعارضة والمستعصية، وتلك التي قد تفتك بأجسامهم المتهالكة، تفاديا لأي احتقان جديد قد يجلب مزيدا من التعاطف ويخرج عن السيطرة في حالة استمرار واقع التناسي.

خصاص كبير في عدد الأطباء
تبقى مشاكل قطاع الصحة بأزرو بعيدة عن الإحصاء والعد، في ظل الخصاص الكبير في عدد الأطباء، خاصة في قسم المستعجلات، المحتاج إلى أربعة أطباء على الأقل، لتكييف عدد ساعات الاشتغال مع عدد الأطباء، خاصة بعد الترخيص، في وقت سابق، إلى مجموعة من الأطباء بمغادرة المستعجلات إلى مستعجلات مكناس دون تعويضهم. وتؤكد فعاليات مدنية أن قسم المستعجلات يتوفر على ثلاثة أطباء، ويعاني خصاصا كبيرا جدا في الممرضين، ذاكرة أنه في “حالات العطل يشتغل ممرض واحد في مستعجلات تابعة لإقليم إفران بأكمله” كحقيقة صادمة، يزيد من أثرها في ظل غياب السكانير وأهم التجهيزات اللازمة لطبيب العظام، ما يفرض إرسال أغلبية الحالات إلى المستشفى الإقليمي بمكناس.
وتؤكد مجموعة تدبير الشأن المحلي بأزرو، التي سبق أن أعدت تقريرا حول مشاكل قطاع الصحة بالمدينة، إلى أن الرحيل من مستشفى 20 غشت إلى مستشفى متعدد الاختصاصات، “تم بدون التنسيق مع النقابات التي كانت تشير إلى عدم اتساع هذا الأخير لاستيعاب المرضى”، مشيرة إلى إصدار نقابة بيانا حول اختلالات واختلاسات همت المستشفى. وترى أن سيارة الإسعاف تفتقد إلى التجهيزات الضرورية من أكسجين وأسرة للمرضى و”حتى إن وجدت فهي في حالة غير صالحة للاستعمال”، مشيرة إلى وجود أربعة سائقين لسيارة إسعاف واحدة، و”أثناء استفادة أحدهم من العطلة يبقى المستشفى بدون سائق في فترات الحراسة”، مؤكدة أن الوجبات المقدمة بالمستشفى لا ترقى أحيانا إلى مستوى التطلعات.
وأشارت إلى غياب الأجهزة الضرورية للأطفال الخدج بالمركز الإقليمي للولادة، ما يؤدي إلى وفاة عدد منهم، مؤكدة وجود نقص في عدد الأطباء، إذ يتوفر المركز على طبيبة تشتغل أسبوعا كاملا وتستريح أسبوعا، وعند غيابها “يتعذب المواطن والممرضات وسائقو سيارات الإسعاف، إذ يتم إرسال ما بين 6 إلى 11 امرأة إلى مدينة مكناس يوميا”.

حميد الأبيض (فاس)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق