fbpx
الأولى

القضاء يتدارك أخطاء تضخيم ملف الحسيمة

تبرئة أكثر من نصف المتهمين تطرح علامات استفهام حول المسار الذي اتخذه التحقيق

أسدل القضاء، بداية الأسبوع الجاري، الستار عن جزء من ملف الحسيمة، وتمت تبرئة أكثر من نصف المتهمين من بين المسؤولين الذين اعتقلوا في ملف وصف بأنه “زلزال ثان” يضرب المدينة، قبل أن يتبين أنه جعجعة بلا طحين، وأن جهات ما أعطته أكثر من حجمه.
ما الذي تغير بين صيف السنة الماضية وشتائها حتى يتحول مسؤولون، كانوا حتى وقت قريب مثقلين بتهم تمس بالشرف والأمانة، إلى أناس أبرياء لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بكل هذا الذي حدث في الحسيمة؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي العودة بضعة أشهر إلى الوراء، وبالضبط إلى يونيو الماضي، حينما انطلقت الشرارات الأولى للملف باستدعاء بعض المسؤولين بالمنطقة من أجل التحقيق معهم، لتتوالى بعد ذلك الاعتقالات ويتجاوز العدد خمسين متهما، موزعين ما بين رجال أمن ودرك ملكي وسلطة وجمارك.
السؤال الأول يحيلنا على سؤال ثان أكثر تدقيقا، ما الذي حدث في مدينة الحسيمة حتى يتسنى الزج بأكثر من نصف المسؤولين بها في السجن؟ سؤال نجد جوابا له في كلام الطيب الشرقاوي وزير الداخلية، الذي أكد أن التحقيقات فتحت بناء على شكايات تقدم بها سكان المدينة إلى جلالة الملك، أكدوا من خلالها وجود اختلالات وفساد في مدينتهم. بدأت الصورة تتضح من خلال كلام الوزير، فهذا الحزم المبالغ فيه الذي أظهرته النيابة العامة، باعتبارها المشرفة على البحث الذي أجراه الأمن، نابع من دخول جلالة الملك على الخط في هذا الملف، وبعده وزير الداخلية الذي انتقل إلى الحسيمة ليدين، في لقاء له بما تبقى من مسؤولين في المدينة، المتهمين قبل أن تبدأ المحاكمة، معتبرا أنهم ارتكبوا أخطاء جسيمة. لكن هل هذا مبرر لتجاوز القانون؟
ينبغي توضيح مسألة أساسية، فجلالة الملك، بحكم أنه الساهر على صيانة حقوق وحريات المواطنين، من صلاحياته أن يطالب بالتحقيق في أي ملف بعد تلقي شكايات من المواطنين، وعلى باقي الأجهزة أن تقوم بالواجب في إطار القانون الذي يسهر جلالته على احترامه. لكن ما الذي حدث حتى تتحول أوامر الملك إلى مقصلة لقطع رؤوس أبرياء؟
الخلل وراء كل ما حدث، والذي ترتب عنه تشتيت  أسر وفقدان أناس لمصدر رزقهم ووفاة أحدهم نتيجة صدمة الاعتقال وتوابعها، يكمن في سوء فهم بعض الجهات لأوامر الملك، وعدم احترامها للقانون الذي يعتبر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فبعض الذين كلفوا بالتحقيق في الملف اعتقدوا أن جلالة الملك غاضب على المسؤولين، وبني التحقيق على اجتهادات وقراءة للنوايا، وعمل المسؤولون عن التحقيق بقاعدة “تبكي مو قبل ما تبكي مي” التي أصبحت الأصل لدى مجموعة من المسؤولين في هذا البلد.
الملك بحكم قربه من الشعب يمكن أن يتلقى شكايات من آلاف المواطنين، قد يكون مقدمها صاحب حق أو راغبا في الانتقام من جهة ما أو تحقيق امتيازات، وقد يعطي جلالته أوامر بالتحقيق في بعضها من أجل إعطاء كل ذي حق حقه، وعلى المكلفين بهذه المهمة أن يحترموا القانون، لأن جلالة الملك لا يقبل الزج بأبرياء في السجون بسبب قراءة سيئة لنواياه.
لحسن الحظ أن هيأة الحكم أنصفت المتهمين، وإن كان ذلك “بعد خراب مالطا” كما يقال، وكانت لديها الشجاعة للعمل على إعادة الأمور إلى نصابها، وهي نقطة حسنة تسجل في خانة جزء من مؤسسة القضاء، في انتظار أن يحتكم ما تبقى من ممثلي هذه المؤسسة إلى القانون ولا شيء غيره، حتى لا تذرف بعد اليوم أمهات دموعهن على فلذات أكبادهن الأبرياء.

الصديق بوكزول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى