fbpx
الأولى

مصممو التقويم الهيكلي “يفصلون” بذلة جديدة للمغرب

تقليص العجز الموازناتي والتجاري وتخفيض دعم المواد الأساسية والإصلاح الجبائي أهم تقاطيعها

هل يتجه المغرب نحو برنامج تقويم هيكلي ثان من أجل تجاوز الاختلالات التي تعرفها المالية العمومية، والتي تفاقمت خلال السنتين الأخيرتين؟ الإجابة عن السؤال تقتضي الرجوع إلى الوضعية التي كان عليها المغرب قبل تدخل البنك الدولي، الذي حدد السياسة الماكرواقتصادية التي يتعين على المغرب اتباعها، وصندوق النقد الدولي الذي ألزم المغرب باعتماد سياسة مالية تقشفية من أجل التقليص من اختلالات التوازنات المالية. تشير الإحصائيات المتعلقة بتلك الفترة إلى أن عجز الحساب الجاري وصل، خلال 1982، إلى ملياري درهم، كما أن معدل التضخم قفز إلى 10.7 في المائة، وأصبح مستوى الادخار سالبا، كما أن احتياطي المغرب من العملات الصعبة لم يعد يغطي، آنذاك، سوى 3 أيام من الاستيراد، فضلا عن أن السياسة التي اعتمدها المغرب في مجال البنيات التحتية، من خلال إنجاز السدود، ساهمت، بعد أن تدهورت أسعار الفوسفاط في الأسواق الدولية، في ارتفاع معدل المديونية لينتقل من 22.4 في المائة، خلال 1974، إلى 53.38 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. وتدهورت التوازنات الخارجية للمغرب، إثر الارتفاع الملحوظ لأسعار البترول، بعد قرار الدول العربية الامتناع عن تزويد الأسواق، فارتفعت الأسعار من 3 دولارات إلى 12 دولارا للبرميل، ما انعكس بشكل قوي على البلدان المستوردة، ومن ضمنها المغرب، الذي ارتفع عجز ميزانه التجاري بشكل ملحوظ.
خلال بداية الثمانينات، أعلن المغرب بلدا غير قادر على أداء ديونه، ما اضطره إلى اللجوء إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين فرضا برنامجا للإصلاح اصطلح عليه بـ «برنامج التقويم الهيكلي».
وتنقسم هذه الوصفة إلى محورين: يهم الأول، الذي أعده البنك الدولي، الجانب الاقتصادي، ويتضمن إجراءات لتدعيم تنافسية المقاولات من أجل دعم الصادرات، للتقليص من تدهور العجز التجاري، والتحكم في الطلب الداخلي للحد من ارتفاع مستوى التضخم، وإعادة تعبئة الموارد في اتجاه القطاعات المنتجة، واعتماد إصلاحات جبائية من أجل توفير الموارد الضرورية للميزانية وتقليص عجز الحساب الجاري، والتقليص من تبعية مستوى النمو للتقلبات المناخية عبر تشجيع بروز أقطاب اقتصادية جديدة في قطاعي الصناعة والخدمات.
وهمت إجراءات المحور الثاني المعد من قبل صندوق النقد الدولي الجوانب المالية، إذ تقرر تخفيض بعض النفقات، وهمت بالدرجة الأولى عددا من الجوانب الاجتماعية، مثل قطاعات الصحة والتعليم، كما تقرر تجميد التوظيف في أسلاك الوظيفة العمومية، ورفع الدعم على عدد من المواد الأساسية.
مما لا شك فيه أن المناخ الاقتصادي الوطني والدولي، خلال 1983، مختلف عن المناخ الحالي، لكن من المؤكد أيضا أن الوضعية الاقتصادية الحالية بالمغرب، يمكن أن تؤدي، على المدى المتوسط، إلى النتائج ذاتها التي نتجت عن الوضعية الاقتصادية التي كان يعيشها المغرب قبل 1983.
 فالإحصائيات والمعطيات المتوفرة تشير إلى تدهور التوازنات المالية، إذ أن الحساب الجاري سجل عجزا، خلال أربعة أشهر الأولى من السنة الجارية، وصلت قيمته إلى 11.9 مليار درهم، مقابل 4.9 ملايير درهم، خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية، مسجلا ارتفاعا بنسبة تجاوزت 142 في المائة، وتعاني الميزانية عجزا تجاوز 21 مليار درهم، في حين لم يكن يتعدى، خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية 8 ملايير درهم، وانتقل عجز الميزان التجاري بين يناير وأبريل الماضيين من 12 مليارا و 892 مليونا إلى 19 مليارا و252 مليون درهم، ليتقلص معدل تغطية الواردات بالصادرات، إثر ذلك، من 53.6 إلى 45.8 في المائة، خلال الفترة ذاتها.

في السياق ذاته، سجلت الميزانية، خلال السنة الماضية، عجزا تجاوز 7 في المائة، وتشير التوقعات الأكثر تفاؤلا إلى أن لا يقل عن 6 في المائة مع متم السنة الجارية.
لكن ما يزال المغرب يتوفر على هامش من التحرك، بتمثل أساسا في أن معدل المديونية لا يتعدى 25 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يسمح للمغرب بالاقتراض من الخارج في ظروف أحسن مما كان عليه الوضع خلال الثمانينات، ويحظى المغرب، حاليا، بثقة الأوساط  المالية، خاصة صندوق النقد الدولي، الذي سبق أن أثنى على السياسات الماكرواقتصادية التي اعتمدها المغرب، خلال عشر سنوات الأخيرة، وذلك في تقريره حول زيارة بعثته السابقة. غير أن خبراء المؤسسة أوصوا بمجموعة من الإصلاحات التي يتعين على الحكومة مباشرتها، من أهمها إصلاح منظومة الدعم، وأنظمة التقاعد، وتقليص عجز الميزانية وميزان الأداءات والميزان التجاري.ما يعني اعتماد برنامج تقويم هيكلي معدل يتضمن أهداف المخطط السابق لكن بإجراءات أقل حدة من الصيغة التي فرضت على المغرب خلال عقد الثمانينات.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق