fbpx
مجتمع

مركب الفخارين… إبداع ومعاناة

المالكون يترقبون عودة الزمن الجميل وسط مخاوف الترحيل ونقص اليد العاملة والمواد الأولية

تلخص الواجهة الخلفية لمركب الفخارين بالولجة، كل المشاكل التي يعانيها منذ ثمانينات القرن الماضي، من خلال إثارتها فضول كل الوافدين عبر القطار من الرباط في اتجاه طنجة وفاس ووجدة والقنيطرة، ببناياته العشوائية والمتسخة، وأكوام القصدير والمتلاشيات والطين المتناثر في كل مكان.
إنجاز: صلاح الدين محسن وتصوير عبد المجيد بزيوات

يثير المركب العديد من التناقضات، التي تخفي في ثناياها إبداعات الحرفيين، وجمالية المنتوجات التي يقدمها سنويا لزواره، الذين تراجعت أعدادهم في السنوات الأخيرة، وزادت من حدته جائحة «كورونا»، التي «قصمت ظهر البعير»، وساهمت بشكل كبير في تقليص الدخل اليومي لملاك المحلات التجارية، وتسريح أعداد كبيرة من العاملين.

الوعاء العقاري
يعد مشكل الوعاء العقاري، من أكبر المشاكل التي يعانيها الحرفيون في مركب الفخارين، إذ رغم مرور أزيد من أربعين سنة، لم تعمل السلطات على حله بشكل يستجيب للمعايير المعتمدة من قبل الدولة، نظرا للوضعية غير القانونية للمكان الذي توجد فوقه الدكاكين.
وأكد سعيد بنعمي، رئيس الجمعية المهنية لصناعة الفخار والخزف بالولجة، لـ «الصباح»، أن الدولة لعبت دورا في تجميع الدكاكين وسط المركب، بعد أن ظلت متفرقة لسنوات، غير أن مالكيها لا يتوفرون على وثائق تؤكد تسجيلهم وتحفيظهم للأرض التي توجد عليها دكاكينهم، ولديهم وثائق عدلية فقط، بعد أن اقتنوها من أصحابها المدعوين أولاد موسى العمري، مقابل مبلغ مالي بسيط.
وأوضح بنعمي أن المشكل الآن مع السلطات المحلية، يتمثل في مطالبة المالكين بأداء واجب الكراء، الذي ارتفع من 200 درهم إلى 1200 حاليا، إذ أن هناك بعض المالكين الذين لم يدفعوا درهما واحدا مقابل الكراء منذ 1996، علما أن السلطات ترغب في تصفية هذا المشكل بطريقة نهائية. ويستفسر العديد من المالكين حول وضعيتهم القانونية، سيما أن السلطات لم تشعرهم برغبتها في الإبقاء على المركب، بعد تشييد برج محمد السادس على ضفة نهر أبي رقراق، في الوقت الذي يشوه المركب جمالية المنطقة، بسبب الفوضى الكبيرة في بناياته.

فقدان القيمة
يتحسر مالكو الدكاكين بمركب الفخارين بالولجة على الأيام الخوالي، التي كان فيها يضرب به المثل، من بين جميع مركبات الفخارين في المغرب، إذ أن مركبات مماثلة في جميع مدن المملكة، كانت أقصى مطالبها التوفر، على مركب بالمواصفات نفسها، الموجودة في مركب الولجة، بالنظر إلى النظافة التي كان يحظى بها، والإشادة التي كان يتلقاها من الزوار، سيما أنه كان يعرف رواجا كبيرا، خاصة من قبل الزوار الأجانب.
ويقول بنعمي في هذا الصدد» خلال الاجتماعات التي كنا نجريها مع عدد من زملائنا في مدن أخرى، كانوا يطالبون بمركب مثل الموجود في الولجة. كما أن العديد من السفراء المعتمدين بالمغرب، كانوا يشيدون به، بالنظر إلى الجمالية التي كان يتمتع بها».
ومن أبرز المشاكل التي يواجهها «الفخارون» بمركب الولجة النقص الحاد في المواد الأولية، دون أن يجد الملاكون تفسيرا لذلك، بعد أن منعوا من اقتنائها من المقالع الموجودة بسلا، ومطالبتهم بالبحث عن مقالع خارج المدينة، إذ يعمد المالكون إلى كراء المقالع من إدارة الأحباس، ويستخرجون منها المواد الأولية الضرورية، علما أن هذا المشكل لا يعانيه المالكون للدكاكين التي تصنع المنتوجات التقليدية التي تعتمد على القصب والحديد والخشب مواد أولية.

تراجع اليد العاملة
اضطر العديد من المالكين بمركب الفخارين إلى تقليص اليد العاملة بأكثر من 80 في المائة، بسبب تراجع المداخيل، إذ في الوقت الذي كانوا يشغلون عددا كبيرا من العمال، أصبحوا اليوم يكتفون بمستخدم أو مستخدمين على الأكثر.
وأرجع بنعمي هذا الأمر إلى أن المداخيل لم تعد تسمح له باستخدام يد عاملة كبيرة، كما كان الأمر في السابق، إذ كان المالك يجني أموالا كثيرة، أما اليوم فلا تتعدى مداخيله اليومية بين 200 درهم و300، وفي أحسن الظروف 600 درهم، يضطر إلى اقتسامها مع المستخدمين.
مشكل البيئة
اصطدم المالكون بمشكل كبير مع السلطات، بعد التحولات التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، بسبب تأثير مصانعهم على البيئة، من خلال استعمال المقالع الموجودة بقرب الولجة، ومنعهم استعمالها، لعدم التأثير على جمالية المنطقة.
ومنعت السلطات أيضا المالكين من استعمال الحطب في معاملهم، بالنظر إلى تأثير الدخان على البيئة بضفة وادي أبي رقراق، سيما أنها تساهم في انتشار دخان كثيف، الشيء الذي دفع أزيد من 60 في المائة منهم إلى استعمال أفران تعتمد على الغاز. وهناك العديد من المالكين الذين اضطروا إلى إقفال محلاتهم، بسبب الأزمة الأخيرة التي فرضتها جائحة «كورونا»، إذ يقدر عددها بحوالي 20 دكانا.

“بغينا حل”
يجمع جل المالكين في مركب «الفخارين» على مطالبة السلطة بحل سريع لهذا المشكل، وتسوية ملفهم العالق منذ سنوات، في الوقت الذي انقطعت جميع السبل نحو إيجاد مخرج للوضع المقلق، سيما أن أغلب «الفخارين» يتخوفون من الظروف الصعبة التي يشتغلون فيها، ويرغبون في تفادي وقوع أحداث قد يكون لها انعكاس كبير على سلامتهم.
ورغم أن هناك وعودا من السلطات بإصلاح الوضع، وإحداث مركب حديث يتكون من طابق سفلي وآخر علوي، مع التزام جميع المالكين بدفتر تحملات، إلا أن ذلك ظل مجرد كلام، في الوقت الذي يتطلعون لعودة الزوار والزبناء، بعدما عرف المركب أياما زاهية، بزوار مثل الملك محمد السادس، الذي كان يقتني بعض المنتوجات خلال عيد الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى