fbpx
حوادثمقالات الرأي

قطني: التقـادم في جرائم البناء 2/2

تعتبر جنحا تخضع للتقادم الجنحي والمحدد في أربع سنوات (2/2)

أحمد حمدي قطني *

عندما يقوم بصب الخرسانة فهو أمام ارتكاب جريمة من نوع آخر تتمثل في بناء الأعمدة، فعلى المراقب أن يحرر – مرة أخرى- محضرا في حقه لارتكابه مخالفة أخرى غير المخالفة السابقة، وبعد ذلك يقوم المخالف بإسناد السقف بالخشب وتثبيت الحديد وهكذا إلى أن يكتمل البناء المخالف للقانون.
ففي مثل هذه الحالات لا يمكن أن نتحدث عن جرائم مستمرة، لأن كل حالة بناء جديدة يتم ضبطها تعد جريمة مستقلة عما سيتلوها من جرائم تشكل تماديا في ارتكاب الجرائم، وكل محضر تم إنجازه تنتج عنه متابعة مستقلة من طرف النيابة العامة وبالتالي آثار مختلفة.
بالإضافة إلى ذلك فجرائم البناء، ومع تطور تقنيات وأدوات البناء وكذا مع توفير عناصر مسبقة الصنع، قد تكون جرائم فورية، فمثلا عند تسقيف غرفة أو بناء بيت في السطح بدون رخصة، فالركن المادي المكون للجريمة هنا يبتدئ وينتهي في وقت محدد ومعين من الزمن ولا يتطلب وقتا طويلا لإنجازه. وبالتالي فهي جريمة وقتية أو فورية تنتهي بانتهاء تنفيذ ركنها المادي.فأين هو وجه الاستمرار في جرائم البناء؟
ولعل هذا التوجه قد أثر بشكل سلبي على توجهات بعض المراقبين ومسؤولين بالإدارة الترابية، بل تم تبنيه من قبلهم حتى أصبحوا متشبعين به في فكرهم وقناعتهم بذلك ومسلمين بقاعدة عدم تقادم جرائم البناء والتعمير. هذه القاعدة التي ولدت من العدم وسوء ضبط بعض المفاهيم، خاصة مفهوم الجريمة المستمرة، معتبرين أن انتماء مخالفات التعمير لهذا النوع من الجرائم يجعلها غير خاضعة لآجال التقادم، والصواب أن الجرائم بنوعيها سواء كانت فورية أو مستمرة فهي تخضع للتقادم، ولم نصادف أي نص قانوني صريح أو رأيا فقهيا يقول بخلاف ذلك.فلا يمكن بأي حال من الأحوال القول أو الجزم بعدم تقادم جرائم البناء سواء كانت فورية أو مستمرة.
وتأسيسا على ما سبق، فإن القول بعدم تقادم جرائم البناء هو فهم خاطئ ومجانب للصواب ولا أساس له ولا يجد له أي سند في التشريع، وبالتالي وطبقا للمادة 5 من قانون المسطرة الجنائية فإن جميع الجرائم تخضع للتقادم ما لم ينص على عدم تقادمها سواء بإقرار آجال أخرى للتقادم أو بالتنصيص على عدم خضوعها للتقادم، وهو الأمر الذي لا أثر له ولا سند له في مدونة التعمير.
إذن، فما هو أمد التقادم بالنسبة لجرائم التعمير والبناء؟ ومتى يتم البدء في احتسابه؟
قبل تحديد هذه الآجال يجب أولا تصنيف جرائم البناء والتعمير، فهل هي جنايات تخضع لأجل 15 سنة للتقادم أو جنح تخضع لأربع سنوات أو مخالفات تخضع لسنة واحدة من ارتكابها.
فالجرائم بحسب المادة 111 من القانون الجنائي إما جنايات أو جنح تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات،وضابط التمييز بين هذه الأنواع هو الجزاء أو العقوبة المقررة لكل نوع على حدة.
وبالرجوع إلى العقوبات المقررة في القانون رقم 12-90 المتعلق بالتعمير كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 66-12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، نجد أنها تتناسب والعقوبات التي نص عليها المشرع الجنائي بخصوص الجنح الضبطية. فعقوبة الحبس المقررة في المادتين 71 و72 من قانون التعمير الجديد والمعاقب بها في حالتي العود أو بناء طابق أو طوابق بدون ترخيص، نجد أنها تتراوح بين شهر واحد وثلاثة أشهر، فهي عقوبة تقضي بالحبس أقل من سنتين. كما أن كل الغرامات المقررة بموجب نفس القانون تزيد عن مبلغ 200 درهم الذي يميز الجنح الضبطية عن الأشكال الأخرى من الجرائم (حسب ما جاء في المادة 111 من القانون الجنائي كما تم تغييره بموجب القانون رقم3.80 ).
وبالتالي فإن الدعاوى العمومية المتعلقة بهذا النوع من الجرائم تتقادم بمرور أربع سنوات ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكابها.
وجدير أن نشير إلى أن المشرع ورغم نصه على أنها مخالفات كما جاء في المادتين 64 و65 من قانون التعمير، بل حتى في تسمية القانون المغير والمتمم له، فإن مخالفات التعمير والبناء تصنف وتكيف على أنها جنح ضبطية وبالتالي تخضع لأجل أربع سنوات من التقادم.
ولقد سبق أن تم التنبيه لهذه المسألة خلال البحث حيث كان على المشرع أن يستعمل مصطلح “جنح” عوض “مخالفات” حتى يزول اللبس والغموض عن تصنيفها بين أشكال الجريمة الأخرى، أو كان عليه نعتها ب”جرائم البناء” (اقتداء بنظيره المصري الذي يصفها بجرائم المباني)، ويترك للقضاء مسألة التصنيف مادام هو الفيصل والحكم.
فمتى يتم البدء في احتساب أمد التقادم؟
كما سبقت الإشارة إليه فجرائم البناء قد تكون فورية، يبتدئ فيها الركن المادي للجريمة وينتهي في وقت محدد غالبا ما يكون وقتا قصيرا، إذن فليس هناك إشكال في تحديد تاريخ ارتكابها. وقد تستمر لمدة طويلة، كحالة من يشرع في بناء الأساسات ثم يستمر في البناء لمدة طويلة ومتقطعة إلى غاية إتمام بناء طابق سفلي بأكمله أو طوابق علوية دون رخصة، فنحن هنا أمام عدة جرائم بناء تختلف بتدخل إرادي متجدد من جانب المجرم، مما يترتب عنه المتابعة من قبل النيابة العامة في كل مرة يجدد فيها فعله الجرمي وفي تاريخ محدد ومختلف عن تاريخ الجريمة الموالية.
لكل ما سبق نخلص إلى القول إن جرائم البناء والتعمير تعتبر جنحا تخضع للتقادم الجنحي والمحدد في أربع سنوات طبقا للمادة 5 من قانون المسطرة الجنائية، والقول بغير ذلك مردود على صاحبه إلى أن يصدر نص قانوني يقضي بخلاف ذلك، لأنه لا اجتهاد مع وجود النص.
ولأن المحضر هو الوثيقة المكتوبة التي تستند عليها النيابة العامة لمباشرة الدعوى العمومية، وكذا وسيلة الإثبات في حق مخالفي قانون التعمير وإدانتهم أمام قضاء الحكم، وحتى لا يتعرض للطعن فيه بالزور، فيجب على المراقب ضابط الشرطة القضائية – قبل التحرير- أن يتحرى جيدا عن تاريخ ارتكاب جنحة البناء وبشتى الوسائل والأدلة المتاحة، وذلك تكريسا لمبدأي”حرية الإثبات” و”اقتناع القاضي الصميم”، اللذين يقوم عليهما نظام الإثبات الزجري في المغرب كأصل عام طبقا للمواد من 386 إلى 296 من قانون المسطرة الجنائية -إسوة بباقي التشريعات العالمية- مع تخصيص بعض الاستثناءات بقواعد إثبات محددة.
وفي الأخير وانسجاما مع رأينا فإن المقررات القضائية الصادرة عن المحكمة الابتدائية الزجرية بالدارالبيضاء تؤكد قولنا، هذا مع العلم أن معالجة هذا النوع من الملفات منوط بشعبة التعمير بالقسم الجنحي بالمحكمة نفسها.

* باحث في سلك الدكتوراه قانون خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى