fbpx
افتتاحية

“جمهورية اللا موز”

في اليوم الذي كان “عواجز” العسكر الجزائري يضعون اللمسات الأخيرة على برنامج تلفزيوني تافه على قناة رسمية ممولة من أموال الشعب الجزائري الفقير، كانت الجماهير الغاضبة تلهج في شوارع المدن والولايات، مطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته، والكف عن التدخل في الحياة السياسية، وتوسيع هامش الحريات العامة والديمقراطية وإطلاق سراح المعتقلين.
آلاف الجزائريين خرجوا، الجمعة الماضي، لاستئناف الحراك الشعبي المتوقف، بسبب الظروف الصحية، وبسبب حملات القمع والاعتقالات، وإخراس الأصوات، والزج بالمناضلين والمعارضين في السجون والزنازين دون محاكمات، ما أكدته المنظمات الحقوقية الأوربية والدولية في أكثر من تقرير.
انتفاضات شعبية في كل مكان، يقودها مواطنون يائسون من مختلف الأعمار والفئات، يطالبون بالحد الأدنى من الديمقراطية، وحد أدنى من الدستور، وحد أدنى من التعبير الحر عن الإرادة الشعبية في الانتخابات، وحد أدنى من حياة كريمة، وحد أدنى من فرص شغل ومعيشة، وحد أدنى من كل شيء، فلم يجدوا أي شيء.
إنه المشهد المؤلم الذي يحاول سكان قصر المرادية إخفاءه عن العالم، باللجوء إلى “الصبيانيات”، وتبني الأسلوب القديم نفسه، أي كلما أحس نظام سياسي بالضغط الداخلي واقترب من السقوط، فتح جبهات وهمية في الخارج وروج لأطروحة المؤامرات، ومحاولات زعزعة استقرار البلد، واختلاق قصص وروايات عن مخططات لاستهدافه والنيل من حدوده الجغرافية، حتى إذا فكر أي جزائري في الاحتجاج على أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، هاجموه واتهموه بالخيانة وعدم تقديره “دقة” المرحلة الحساسة، وزجوا به في السجن.
وفي سبيل هذه العقيدة البئيسة لخلق عدو خارجي وهمي باستمرار، أنفقت الجزائر 560 مليار دولار في 45 سنة، لو أنفق ثلثها فقط على تنمية البلد، وتحسين الظروف المعيشية لمواطنيه، لما اضطر برلماني أن يصرح في قناة عمومية أنه لم يتذوق طعم الموز إلا حين بلغ من العمر ثلاثين سنة!!.
إنها سبة في حق دولة تُصنف، اليوم، واحدة من أهم دول “أوبيك” المنتجة للنفط والغاز، إذ في الوقت الذي كان مطلوبا أن تنكب الحكومات، منذ بومدين إلى تبون، على توفير الموز والتفاح والبرتقال والطماطم والبطاطس والبصل والحليب والدقيق بكميات كبيرة وأسعار مناسبة، تهدر مقدرات الشعب الجزائري على نزاع إقليمي منته، حسمت فيه الأمم المتحدة والدول الكبرى، منذ 15 سنة، بتبني مقترح الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية على كامل التراب الوطني.
هذا هو النقاش الذي ينبغي أن نواجه به، اليوم، العصابة الحاكمة في الجزائر، ونذكرها، في كل مرة، أن عليها أن تهتم بشؤونها الداخلية، وأن تنكب على حل الملفات المطلبية للحراك الشعبي، وتوفير الحد الأدنى من الحياة لـ 40 مليون جزائري، أما قطار المغرب، فقد انطلق منذ سنوات، ولا تضير فيلا “قرصة” نملة.
فواهمون إن اعتقدتم، أيها الحمقى، أن “دمية ناطقة” قد تهز تاريخا وارتباطا وبيعات متجددة بين شعب وملك تمتد إلى 12 قرنا.
وواهمون إن اعتقدتم أن النذالة يمكن أن تصنع رجال دولة، بل إنها تضيع ما تبقى من رصيد احترام أمام العالم.
وواهمون إن اعتقدتم أيضا أن تعليق أعطابكم الداخلية على عدو وهمي، يمكن أن ينقذكم من الورطة في الإساءة للشعب الجزائري.
إن وقاحتكم لن تزيد الشعب المغربي إلا تشبثا بملكه ومقدساته ورموزه.
وشكرا لكم ألف شكر، لأنكم منحتمونا فرصة ذهبية لتجديد عهد الوفاء والحب والاحترام بين ملك وشعب.
وحمدا لله في الأول والأخير أن عرف العالم مع من حشرنا في الجوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى