fbpx
حوادث

دراسة في القانون: المحاكمة العادلة على ضوء المواثيق والمعاهدات الدولية والعمل القضائي الدولي (الحلقة الخامسة)

 

عدم التدخل في شؤون المراسلات حق من حقوق الإنسان

 

تعتبر المحاكمة العادلة من أهم مواضيع حقوق الإنسان، وهي مؤشر على مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ومقياس أصيل
 في بناء دولة القانون.    وقد يعتقد البعض عن خطأ أن المحاكمة العادلة ضماناتها تخص القضاء الجنائي وحده، بيد أن المحاكمة العادلة
 تصورها وضرورتها وتجلياتها تمتد لتشمل القضاء المدني وغيره من شعب القضاء الأخرى. بناء على ذلك، وبما أن أصحاب الدعوى لم يتمتعوا بالدرجة الدنيا من الحماية في ظل سيادة القانون في مجتمع ديمقراطي، فإن انتهاكا قد حدث للمادة 8 في هذه الحالة.
وتبين للمحكمة الأوربية وجود خروقات للمادة 8 في حالات مماثلة مثل قضية كروسلين وقضية مالونوالتي، تبين أن الأحكام الصادرة فيهما شأنها شأن الحكم الصادر في قضية هوفينغ، قامت على أساس أن الممارسات المعينة لا تمتثل للشروط المؤطرة بعبارة « وفقا للقانون» الواردة في المادة 8.
وفي ما يخص الحق في عدم التدخل في شؤون المراسلات، حقا من حقوق الإنسان وإحدى ضمانات المحاكمة العادلة، نجد أن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان قد توصلت بعدة شكاوى في هذا المجال.
ومن أبرز هذه القضايا في هذا المجال قضية فايفر وبلا نكل، اللذين كانا محتجزين احتياطا، وفي إحدى الرسائل عمل القاضي القائم بالتحقيق على حذف بعض الفقرات فأصبحت لا تقرأ، وقد رأى القاضي أن هذه الفقرات تتضمن نكتا ذات طابع مهين لموظفي السجن، ورأت المحكمة أن حذف مقتطفات يشكل تدخلا لا مبرر له في مراسلات صاحب الدعوى.
وقد اتفقت في الرأي مع اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان في أن الرسالة تضمنت بشأن الأوضاع السجنية وبالخصوص سلوك بعض موظفي السجن، ولاحظت أنه بالرغم من أن بعض العبارات التي استخدمت كانت بلا شك عبارات قوية، إلا أن جزءا من رسالة خاصة كان المفروض في إطار التشريع القائم أن يقرأها السيد فايفر وقاضي التحقيق دون سواها.
   وقد أشارت المحكمة الأوربية إلى حكمها الصادر في قضية سيلفر وآخرين، بحيث رأت أنه ليس هناك أي داع في مجتمع ديمقراطي إلى اعتراض سبيل رسائل خاصة محسوبة على أنها تنطوي على إهانة السلطات.
وعلى الرغم من أن حذف المقتطفات في قضية فايفر وبلا نكل، اعتبرت تدخلا أقل خطورة إلا أنه مع ذلك يشكل خرقا للمادة 8 من الاتفاقية .
وفي الإطار نفسه، أطلعتنا المحكمة الأوربية على قضية المحامي شوننيبيرغوالسيد دور ماز، والتي تتعلق بمراسلات بين محام وشخص كان رهن الاعتقال الاحتياطي.
وصاحب الدعوى هو سائق سيارة أجرة أوقف بمدينة جنيف السويسرية، حيث كان مشتبها فيه بالاتجار في المخدرات وقد تم نقله  بعد ذلك إلى مدينة زيريخ.
وبعد عدة أيام طلبت زوجة السيد دوماز من المحامي شوننبيرغ أن يتولى الدفاع عن زوجها المعتقل، إذ وجه المحامي رسالة إلى مكتب المدعي العام مرفق بها رسالة أخرى طبقا لما تقتضيه التشريعات السويسرية طالبا منه إحالة تلك الرسالة إلى الجهة الموجهة إليها.
وفي هذه الرسالة قال شوننبيرغ لدورماز، إن زوجته كلفته بالدفاع عنه موصيا إياه أن من حقه رفض الإدلاء بأي بيانات وأن أي شيء يقوله يمكن أن يستخدم ضده، فقام المدعي العام بحجز هذه الرسالة ولم يبلغها إلى دورماز، وبموجب أمر صادر قرر مكتب المدعي العام في وقت لاحق تعيين محام من زيوريخ لتمثيله.
وأقرت المحكمة أن الغاية من حجز هذه الرسالة كانت منع الاضطراب أو الإجرام وإمكانية التواطؤ معتمدة في ذلك على سوابقها القضائية.
بيد أن اللجنة انتهت في خاتمة المطاف إلى أن التدخل محل الطعن ليس مبررا بوصفه ضروريا في مجتمع ديمقراطي ورفضت الحجج التي ساقتها الحكومة والقائلة إن الرسالة تزود دورماز بمشورة لها صلة بالإجراءات الجنائية المنتظر إجراؤها وهي ذات طابع قد يعرض للخطر إجراءها على النحو السليم، وبالتالي حدث إخلال بالمادة 8 في هذه الحالة علما أن العلاقة بين الشخص المشتبه فيه أو المتهم ومحاميه هي علاقة متميزة ولو كانت احتمالية ويتعين على السلطات المحلية أن ترعاها بعناية خاصة.
كان هذا نموذج من عمل قضاء المحكمة الأوربية في التصدي لخرق بعض ضمانات المحاكمة العادلة، علما أن ثمة حقوقا أخرى ذات الصلة بالموضوع كحق الشخص في أن يعامل بإنسانية وعدم استعمال التعذيب لانتزاع اعترافات منه وحقه في أن يتم إعلامه بالتهم الموجهة إليه بلغة يفهمها وحقه في الحصول على مساعدة قانونية إلى غير ذلك من الحقوق التي تسعى المحكمة الأوربية إلى ضمانها.
المطلب الثاني  : قضاء محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان
من أشهر قضايا هذه المحكمة قضية فاليزكير التي تتعلق باختفاء واحتمال وفاة هذا الأخير.
وترى المحكمة أن الالتزام باحترام الحقوق والحريات المتمسك بها في الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان يعني أن ممارسة السلطة العامة لها حدود منبثقة عن حقيقة أن حقوق الإنسان هي خاصية متأصلة في الكرامة الإنسانية وبذلك فهي تعلو على سلطة الدول.

بقلم: يونس العياشي , قاض ملحق بوزارة العدل والحريات
دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى