fbpx
حوادثمقالات الرأي

جدوي: قضاة للنيابة العامة أم وكلاء ووكلاء عامون للملك؟

تبعا لفصول الدستور لا وجود لمنصب اسمه وكيل للملك أو وكيل عام للملك (2/1)

بقلم: أشرف منصور جدوي*

تعتبر النيابة العامة، مؤسسة لا محيد عنها في جل الأنظمة القضائية، وتلعب دورا محوريا هاما، إذ منوط بها الدفاع عن المجتمع أساسا وتمثيله لدى المحاكم في قانون المسطرة الجنائية، ولا نروم في هذا المقال الحديث عن اختصاصات النيابة العامة أو تاريخها أو ما شاكل ذلك، بل نروم التدقيق في هذا الاسم «وكيل الملك أو الوكيل العام للملك»، مع ربطه بالمقتضيات الدستورية ذات الصلة، دون أن ننسى التفكيك اللغوي.

اللغة هي وعاء القانون، إذ أن كل مقتضى قانوني لابد له من وعاء لغوي، قادر على استيعابه وإيصال معناه دون تكدير لذلك المدلول، أو فرط تأويل للدال، فضلا عن تفكيك بعض المقتضيات القانونية الواردة بقانون المسطرة الجنائية، خصوصا التي من شأنها في اعتقادنا أن تشكل مؤيدات وأسانيد تجعل وجهة نظرنا في الموضوع وشيكة من الصواب.
أولا: النيابة العامة في الدستور.
بالرجوع إلى دستور المملكة المغربية لـ2011، فقد وقع التنصيص على النيابة في الفصول 100 و116 و128.
حيث جاء في الفصل 110 في فقرته الثانية: ” يجب على قضاة النيابة العامة …”
وجاء في الفصل 116 في فقرته الأخيرة: ” يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة…”
وجاء في الفصل 128: ” تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة …”
وانطلاقا من السابق ذكره، فدستوريا النيابة العامة حسب منطوق الدستور يمثلها قضاة النيابة العامة، وليس وكيل الملك أو الوكيل العام للملك، والوحيد الذي تمت الإشارة إليه بصفة الوكالة عن الملك، هو الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، حيث وقع التنصيص عليه في الفصل 115 من الدستور عند الحديث عن تأليف المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وعليه فتبعا لفصول الدستور لا وجود لمنصب اسمه وكيل للملك أو وكيل عام للملك، بل هناك بهذا الاسم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض وحده والباقي أي وكلاء الملك والوكلاء العامين للملك ونوابهما، هم حسب منطوق فصول الدستور قضاة للنيابة العامة، ويبقى الوكيل العام للملك وحده هو من له صفة وكيل عام للملك، حتى وإن كان هو من ضمن قضاة النيابة العامة بل رئيسا لها ولقضاتها.
ثانيا: النيابة العامة في القوانين التنظيمية.
بالرجوع إلى القانونين التنظيميين سواء المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، فقد جاء على التوالي في الأول في الفقرة الأخيرة من المادة 66: ” علاوة على ذلك وتطبيقا لأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 116 من الدستور، يراعي المجلس بالنسبة لقضاة النيابة العامة، تقارير التقييم …”
وجاء في الثاني أي القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة في مادته 25 : “يوضع قضاة النيابة العامة …”
وفي المادة 43 في الفقرة الأولى: “… يجب على قضاة النيابة العامة …”.
وفي الفقرة الأخيرة من المادة نفسها: ” كما يلتزم قضاة النيابة العامة …”.
إذن يتضح مما سبق، أن كلا القانونين التنظيميين وفي تناغم تام مع الدستور لم يتم التنصيص على وكيل للملك أو وكيل عام للملك أو نوابهما، بل على قضاة النيابة العامة، الشيء الذي يدل على أن تسمية وكيل للملك أو وكيل عام للملك – باستثناء الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض –، هي تسميات يعوزها السند الدستوري.
ثالثا: النيابة العامة في نصوص أخرى.
بالعودة إلى القانون رقم 33.17، المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة فباستثناء الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، فلا وجود لتسمية وكيل أو وكيل عام للملك أو نوابهما، بل فقط قضاة النيابة العامة، طبقا للمواد: 1 و2 و3 .
وبالرجوع إلى الظهير الشريف رقم 1.17.10، القاضي بتعيين محمد عبد النباوي في منصب الوكيل العام للجناب الشريف لدى محكمة النقض فقد جاء فيه: ” … متمسكا هو وسائر القضاة العاملين تحت إمرته …”، انتهى النطق المولوي السامي.
وعليه فحتى الظهير الشريف المذكور لا يشير إلى تسمية وكيل أووكيل عام للملك أو نوابهما.
رابعا: معنى الوكيل.
الوكيل في اللغة هو النائب، وهو الذي يسعى في عمل غيره وينوب عنه فيه.
وفي الاصطلاح القانوني، فإن التصرفات إما أن تجرى بالأصالة، أي من قبل الشخصا المعني بها، أو من قبل وكيله، أي شخص ينوب عن الأول بمقتضى الوكالة، علما أن التصرف المنجز من قبل الوكيل فهو يتم باسم الأصل كما لو قام به الأخير بنفسه، فحتى ونحن أمام وكالة تتضمن وكيلا وموكلا، فالأثر ينجر إلى الموكل دون الوكيل.
خامسا: لماذا قضاة النيابة العامة وليس وكلاء أو وكلاء عامون للملك؟
إن من مقومات ومبادئ الفكر الفلسفي العلة السببية، فليس هناك حدث دون مسببات، فالمسببات هي محصلات للنتائج، وهو ما عبرنا عنه في التساؤل، لماذا قضاة النيابة العامة و ليس وكلاء الملك؟.
إن مفهوم وكيل الملك، معناه أن الملك وكل من ينوب عنه، وإن كان هذا الأمر مقبولا تجاه قضاة الأحكام، فإن الأمر ليس كذلك تجاه قضاة النيابة العامة.
فلئن كانت الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، طبقا للدستور في فصله 126، و كأن الشارع الدستوري أحاطها بهالة من القداسة فلأنه يفترض فيها أنها راعت القانون، بل والتطبيق العادل للقانون حتى صارت حجة وباتت تعرف ويصطلح عليها بأنها عنوان للحقيقة، ومن جهة أخرى فسر تلك القدسية، التي تتحلى بها الأحكام، هو أنها صادرة باسم جلالة الملك، ومعلوم أن القضاء هو إحدى أهم وأعظم تجليات إمارة المؤمنين.
فحينما يصدر الحكم باسم جلالة الملك، فذلك معناه أنه وكأن أمير المؤمنين، هو الذي فصل في تلك الخصومة عن طريق من أنابه عنـــه – وهم قضاة الأحكام – للفصل في الخصومات أو الدعاوى، ومن ثم يصدر الحكم باسم جلالة الملك ومن ثم يستمد قدسيته وإلزاميته للجميع.
* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى