fbpx
افتتاحية

الدولة الرخوة

تعيش عمالة البيضاء (16 مقاطعة و8 عمالات مقاطعات)، وضعا صحيا استثنائيا منذ أكثر من 60 يوما، إذ لا أحد يفهم، إلى الآن، كيف تزداد أرقام الإصابات اليومية توحشا في مجال جغرافي موجود، أصلا، تحت الحصار الصحي ويخضع لتدابير الحجر والإغلاق.
فماذا يجري، بالضبط، بهذه المنطقة التي تتمرد على جميع الإجراءات وتُبقي 5 ملايين بيضاوي، تحت رحمة الفيروسات والقتل والفتك والخوف والرعب، بدل أن ننجح في وضع الوباء تحت السيطرة؟
إن الجواب عن هذا السؤال ليس صعبا إلى الحد الذي يمكن أن يتصوره عدد من المغاربة المرعوبين بالأرقام القادمة من البيضاء وتصل في المعدل إلى 800 إصابة يوميا، كما يصل معدل الوفيات إلى 10 في 24 ساعة، وهو رقم ضخم، بغض النظر عن النسبة المنخفضة للفتك وطنيا.
فالجواب يمكن أن نبحث عنه في ثلاثة مستويات كلها تعاني أعطابا كبيرة، وتتطلب مراجعة وإعادة نظر على وجه الاستعجال، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
– المستوى الأول يتعلق بطبيعة المواطنين في حد ذاتهم، الذين يتعاملون مع دعوات الإغلاق والتدابير والإجراءات الاحترازية، باستهتار كبير، وأغلبهم يعتبر ما يصدر عن الحكومة والسلطات العمومية كلاما فارغا لا يعتد به.
لذلك، يستمر هؤلاء في خرق أبسط قواعد السلامة والأمن الصحي، مثل عدم ارتداء الأقنعة الطبية في الفضاءات العمومية، وعدم احترام مسافات التباعد الجسدي والاستمرار في التصافح والعناق، وعدم غسل اليدين وإهمال وسائل التعقيم، كأن الأمر يتعلق بكذبة أبريل، وليس وباء يفتك بالأرواح وصحة الإنسان على مدار الساعة.
– المستوى الثاني يتعلق بترهل المنظومة الصحية بأكبر جهات المغرب، وهو موضوع طالما نبهنا إليه في هذا الحيز منذ سنوات، وجاء فيروس كورونا ليضع الجميع أمام حقيقة مرة: هي أن عاصمة الاستثمار والمال والاقتصاد والأحلام، والمدينة الذكية ومدينة المشاريع والأقطاب الكبرى، لا تتوفر على مستشفيات ومراكز جامعية ومختبرات ومستعجلات وغرف للإنعاش وأجهزة ومعدات وموارد بشرية كافية، بالشكل الذي تستقبل به 800 شخص في اليوم يعانون مضاعفات فيروس كورونا.
– المستوى الثالث، وهو الأخطر، يتعلق بمدى تطبيق القوانين والمساطر وتنزيل التدابير والإجراءات الحكومية على أرض الواقع.
ففي هذا المستوى بالضبط تظهر فعلا حقيقة الدولة الرخوة، التي تبادر إلى وضع قوانين، دون أن تكون لها الجرأة على تطبيقها، أو ربطها بسلطة النفاذ، وهو ما نلاحظه في التعاطي مع قرارات الإغلاق الصادرة في عمالة البيضاء.
فليس المهم أن تصدر الحكومة سلسلة قرارات للحد من انتشار الفيروس والقضاء على بؤر الوباء، بل الأهم أن يشعر المواطن أن هناك سلطة/سلطات، تحول القرارات إلى واقع، والتدبير إلى فعل يومي ينفذه رجال ونساء لا يخافون لومة لائم.
رجال يضعون الوطن ومصلحة الوطن وصحة مواطنيه فوق كل اعتبار.
رجال يؤمنون ألا تهاون في أداء الواجب، خصوصا في الظروف العصيبة، إذ يكون الخطأ «بغسيل الفندق».
فهل نتدارك الموقف قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى