fbpx
ربورتاج

لوتـار… ديـوان البـدو والبسطـاء

حكاية أشهر صانع للآلة الموسيقية التي رافقت شيوخ الحصبة بآسفي

انبثقت آلة لوتار من عمق البيئة المغربية، وكانت من أولى الآلات، التي تؤدى بها نصوص وأزجال العيطة، وارتبطت في الأذهان بأنها تمثل فن البسطاء وأهل البادية باختلاف لغاتهم ولهجاتهم بالمغرب عربية أو أمازيغية، لتشمل أنواعا أخرى من الأنماط التراثية خارج العيطة. لكن تظل منطقة عبدة وإقليم آسفي من أكثر المناطق التي حافظت على تقاليد راسخة في التعاطي مع هذه الآلة التي رافقت شيوخ الغناء الشعبي فيها. في هذا الخاص تقترب “الصباح” من عالم واحد من أشهر صناع هذه الآلة بعبدة، والرجل الذي حاز ثقة عدد من رموز الغناء والعزف في مجال العيطة الحصباوية.

إنجاز: عزيز المجدوب (موفد الصباح إلى آسفي)

أن تكون صانعا لآلة لوتار بمدينة مثل آسفي، تتنفس أنغاما حصباوية، أشبه ما يكون بصانع كرة قدم في بلاد البرازيل. كانت هذه هي الخاطرة التي ترددت في الذهن، عندما كنت أرافق الفنان جمال الزرهوني، عبر سيارته مخترقين ما تبقى من الحي الصناعي لحاضرة “عبدة” في اتجاه الأطراف الجنوبية للمدينة قبل الانعطاف يسارا تجاه سوق شعبي يطلق عليه اسم “كاوكي”.
كان الفضول يشدني لاكتشاف الرجل الذي يتحدث عنه شيوخ العيطة وعازفو لوتار، باعتباره واحدا من أمهر صناع هذه الآلة بالمدينة، ومحط ثقة رموزها الذين لا يحلو لهم احتضان “لوتار” إلا إذا كان من صنع “أحمد بوجمل”.
كنت أعتقد أنني سأجد نفسي أمام ورشة كبيرة أو مصنع ضخم، من فرط التقدير الذي يحظى به الرجل وصيته الذي يسبقه، فإذا الأمر يتعلق بكوخ صغير وسط سوق “كاوكي” الشعبي، لكنه يختزن أسرارا وقصصا لا حصر لها لفنانين وعازفين يقصدون صاحبه من كل صوب وحدب.
انحنى الشيخ جمال الزرهوني بقامته الفارهة أمام مدخل المحل وهو يدلف إلى داخله ملقيا التحية على صاحبه الذي كان منهمكا في معالجة قطعة خشب أمامه، قبل أن تنفرج أساريره عن ابتسامة عريضة مرحبا بمقدم الشيخ، الذي يبدو أنه اعتاد زيارة المحل لدرجة أن الكلفة مرفوعة بينه وبين صاحبه، حد تبادل القفشات والعبارات الضاحكة منذ الإطلالة الأولى.
قدم إلي الزرهوني أحمد بوجمل، الذي رد التحية بترحيب بالغ، قبل أن يعود إلى انهماكه في القطعة الخشبية التي كان يعالجها واضعا عليها قطعة كرتونية تمثل الجزء السفلي لآلة لوتار، أو الحوض الذي يرتكز عليه، ويأخذ مقاسها بقلم حبر جاف، ليترك رسم القطعة الكرتونية على الخشب، استعدادا لنشره، ثم الشروع في تجويفه بأدوات مخصصة لذلك، تناثرت على أرضية المحل الغارقة في بقايا نشارة الخشب.
كانت جدران المحل مغطاة بحصير بلاستيكي بال، ثبتت عليه قطع كرتونية وأوراق ووصولات بالمسامير، إضافة إلى صور مختلفة وشهادة تقديرية مغطاة ببلاستيك لم يعد شفافا بالقدر الذي يجعلك تقرأ بسهولة ما هو مكتوب عليها، وأعلام مغربية من مختلف الأحجام. وبجانب الرجل وضعت عصي خشبية عبارة عن أزناد لآلة لوتار في طور النحت والتحضير، فضلا عن صندوق صغير عبارة عن درج يضم أدوات العمل وهي عبارة عن إزميل ومفكات من مختلف الأحجام ومثقاب يدوي ومكبس للحفر وعلب الغراء وغيرها. وفي ركن قريب منه تراكمت قطع خشبية متنوعة.

مسامرات عبدية

بادر الشيخ الزرهوني إلى سؤال بوجمل عن مصير آلة وتار طلب منه تحضيرها له، فسحب الرجل هيكلا لآلة، كان للتو قد ثبت لها زندا، خالية من الجلد والأوتار، قبل أن يخبره أنه ما زال في طور الاشتغال عليها، وهنا أمسك الزرهوني بالقطعة متفحصا إياها بعين الخبير، وهو يوقع بنقرات على ظهرها متفقدا نوعية الخشب المصنوعة به وهو يقربها إلى أذنه.
في تلك اللحظة انطلق بين الرجلين حديث تقني عن أنواع لوتارات وجودتها، وهو الأمر الذي كان فرصة للاقتراب من عالم بوجمل وجره إلى الحديث عن علاقته بهذه الحرفة، التي تضعه وجها لوجه مع شيوخ العيطة ورموز الفن الشعبي بمنطقة آسفي وعبدة، وفي اختبار دائم لقدرته على الاستجابة لمزاجهم الفني ودربتهم وتمرسهم على الغناء والعزف بما يتطلبه الأمر من تجهيز آلة موسيقية دقيقة الصنع تحتوي على ما يجعل صانعها مميزا عن الآخرين.
“علاقتي بآلة لوتار تعود إلى مرحلة الطفولة، إذ فتحت عيني، قبل حوالي تسع وستين سنة، في وسط كان الأب فيه حرفيا يصنع المحاريث ومختلف الآلات الفلاحية التقليدية، فوجدت نفسي استعمل أدوات الاشتغال نفسها في أول وتار أصنعه بيدي” هكذا بدأ بوجمل حديثه عن حكايته مع صناعة لوتار.
وأضاف “لكن الانجذاب إلى الموسيقى وعشق هذه الآلة ورثتهما أيضا من الوالد الذي كان يجيد العزف عليها و”ينقّط” بها بين الفينة والأخرى، ومتى أتيحت له الفرصة في مسامراته مع أصدقائه أو في بعض المناسبات العائلية، وهو ما جعل ذاكرتي الطفولية مشبعة بمشاهد وصور عن الوالد ممسكا بالآلة مؤديا مقاطع عيطية من صميم البيئة الحصباوية”.
أما أول آلة وتار صنعها بوجمل بيديه، فيقول إنه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، حين كان يشاهد فنانا شعبيا يدعى حميد العبدي، كان مشهورا بآسفي نهاية الستينات، يعزف بمهارة منقطعة النظير، وهو ما جعله يفتتن بأسلوبه في العزف ويجعله يفكر في محاكاته أولا بصنع آلة وتار، من خشب شجر التين، شبيهة بتلك التي يعزف عليها.
ورغم أن آسفي كانت تعج بصناع لوتار بحكم عشق أغلب أهلها للفنون التراثية، أشهرهم رجل كان يدعى المراكشي بحي السوينية، إلا أن بوجمل، لم يتتلمذ على أحد منهم، بل اعتمد على نفسه ودقة ملاحظته للآلات التي تمر أمامه، وهو ما جعله يتوفق في صنع أول آلة وإجادة العزف عليها بشكل عصامي.
انساق بوجمل خلف عشقه الدفين لآلة لوتار، الذي تحول إلى مهارة يدوية مكنته من الاحتكاك عن قرب، وعلى نحو تدريجي، بأهل الحرفة من مغنين وعازفين، كانت تعج بهم منطقة آسفي، التي عاشت أوج ازدهار فن العيطة بها خلال نهاية الستينات وبداية السبعينات، بأسماء من قبيل الشيخ امحمد الدعباجي والشيخ الداهمو والشيخ بن خدوج الزكراوي وعبد الرحمن لبصير والشيخ عيسى البحراوي المعروف ب”عويسة”، دون إغفال شيخاتها، أمثال فاطنة بنت الحسين وعيدة وغيرهما.
ورغم أن أداء العيطة الحصباوية انتقل في تلك الفترة إلى تقديمها بمرافقة آلة الكمنجة، التي عوضت آلة لوتار العبدي الشهير في أوساط الممارسين ب”الحسبي”، إلا أن تقاليد العزف على لوتار والاستمتاع به ظلت راسخة في أوساط شباب المدينة آنذاك، الذين كانوا يحرصون على تعلمها وتكون لهم رفيقا حتى ولو لم يحترفوا طريق الغناء والموسيقى.

ميكانيك البر والبحر

وجد بوجمل نفسه، في ما بعد، ينخرط في مجال مهني بعيد عن المجال الذي بدأ فيه، ليشتغل ميكانيكيا برا في الدراجات والسيارات، ثم بحرا في السفن، حيث قضى قسطا كبيرا من مساره المهني على سطح اليمّ حاملا معه عشقه الدائم للوتار الذي لم يكن يفارقه في كل أسفاره، بل إنه كان يستغل أوقات فراغه ليصنع آلات موسيقية ويوكل أمر بيعها إلى أصحاب محلات متخصصين مقابل عمولات خاصة بهم.
وهكذا ظل بوجمل محافظا على صلته بصناعة لوتارات بالموازاة مع مساره في مجال الميكانيك، إلى حين حصوله على التقاعد قبل حوالي عشر سنوات، ليتفرغ بشكل نهائي لحرفته الأصلية، وينزوي في سوق “كاوكي”، حيث يقصده أصحاب النغمة الشعبية، الذين ظل على مر السنين محط ثقتهم وظلوا زبناءه الدائمين، من بينهم الشيخ الزرهوني وشقيقه الفنان عابدين والشيخ محمد ولد الصوبة والمحفوظي والشيخ ولد السبعمية والرواسي وغيرهم.

روح ونغم

وعن المدة التي يستغرقها صنع لوتار، يقول بوجمل إن لوتار الضخم الذي يسمى أيضا “وتار هجهوج” قد يستغرق صنعه حوالي أسبوعا، في الوقت الذي يتجاوز صنع “لوتار السويسي”، وهو أصغر أنواع هذه الآلة، يومين فقط.
وتتراوح أثمنة لوتارات ما بين 500 درهم إلى ألفي درهم حسب نوعية الآلة والخشب والمواد الأولية التي تصنع منها، إذ تتكون من خشب أشجار التين أو الكركاع أو البرتقال أو “اللميعة”، ويغلف بجلد الماعز في أغلب الأحيان، إذ يحرص على اقتناء الجلود بنفسه من المسالخ التابعة للمجازر، بل ويحضر أيضا عملية السلخ ويشارك فيها إن اقتضى الأمر ذلك، حتى يضمن الحصول على جلد بجودة عالية ودون ندوب أو ثقوب.
ورغم حرص بوجمل على تلقين الحرفة لشباب ترددوا على محله للتعلم، قبل أن يستقلوا بأنفسهم، إلا أن هناك سرا لم يلتقطه أغلبهم منه، وهو ما جعله محتفظا بمكانته لدى زبنائه، ويتمثل في اشتغاله على ضبط سُمْك “الجبح”، الذي تصنع منه قاعدة لوتار، بواسطة آلة حديدية تشبه المقص، يقيس بها قعر الآلة التي يحفرها ويخرطها بالإزميل، على نحو يمنح لوتار سُمْكا دقيقا لدرجة أن تصير الآلة الموسيقية قابلة لأن تستمد الحرارة من جسم العازف، ركبته أو صدره، وتكتسب نبرة مميزة تشكل الطابع الذي يميز صنعة بوجمل.
ويتحدث الرجل عن آلة لوتار باعتبارها كائنا حيا له روح، إذ يقول إنه لم ينظر إليها يوما على أنها جماد، بل تنعكس فيها روح صانعها وعازفها، كما يعترف بأنها منحته محبة الناس وثقتهم وتقديرهم، ومكنته من نسج علاقات خاصة مع زبنائه، الذين يستأمنونه على ذوقهم وروحهم الفنية.

تعددت الأسماء والتطريب واحد

تحدث الباحث أحمد اشتيوي في كتابه “العيطة الحصباوية.. من التأسيس النظري إلى استنطاق النصوص”، عن حضور آلة لوتار في فن العيطة والغناء الشعبي بشكل عام، من منطلق أن هذه الآلة “تتماشى وطبيعة البيئة البسيطة”.
ويضيف الباحث الشاب أن آلة لوتار بمنطقة عبدة تميزت بحجمها المتوسط والصغير على خلاف نظيرتها بالأطلس، لأن أداء العيطة الحصباوية لا يستقيم إلا بهذه الآلة المتوسطة الحجم. وقد كان العزف في البدايات الأولى يتم على وترين فقط، غير أنه مع مرور الوقت أضيف إليه الوتر الثالث ثم الرابع، وليس هذا فحسب، بل حتى طبيعة هذه الأوتار قد تغيرت من “المصران” إلى الأوتار الحريرية.
ويعتقد أن الفنان الراحل محمد رويشة أول من أضاف الوتر الرابع، فطور بذلك من الاستيعاب المقامي للوتار من جهة، وقربها بذلك إلى الجمهور الواسع من جهة ثانية.
ويرجع الفضل في تطوير هذه الآلة بمنطقة عبدة إلى الشيخ “عويسة”، إذ أن المتأمل في عزف هذا الفنان، يقول اشتيوي، لا بد أن يقف على أن الكثير من النغمات والنوتات الإيقاعية اللحنية للفنانين المعاصرين بالمنطقة تنهل من مدرسة هذا الشيخ، الذي حافظ على هذا النوع من “المساوية” الصافية.
ولآلة لوتار أسماء مختلفة، تتعدد بأشكالها وأحجامها، إذ هناك “الكنبري” أو “الهجهوج” وهو أكبر حجما، و”الفريخ” متوسط الحجم، و”السويسدي” أصغر. وحاليا ظهرت بعض الأشكال تسمى بأسماء العازفين عليها، مثل “المحيفيظي” نسبة إلى الفنان محمد المحفوظي، أو “الرويشي” نسبة إلى الراحل رويشة.
ويعتبر “الكركاع” أجود أنواع الخشب المستعملة في صنع لوتار، ويرتكز تعديل الأوتار (المساوية) على تحريك “الكرّازات” أو “اللوالب” بشكل دائري فتتغير بذلك درجة انقباض الأوتار، التي تمر فوق قطعة خشبية رقيقة تسمى “الحُمّار”، ويتم النقر عليها بواسطة ريشة صغيرة من البلاستيك أو ما شابهه تسمى “الصدعة”، ومنهم من ينقر مباشرة على الأوتار بأصابعه دون استعمالها، مثل الشيخ ولد قدور أو بعض رواد المدرسة الأطلسية في تقاسيمهم الأولية، التي تسبق الأداء الغنائي.
ويعتمد اللون العبدي في العزف على تعديل وتري خاص يعرف ب”القنشة”، يتم عن طريق شد الأوتار جيدا لتكون “المساوية” ذات طبقة صوتية عالية تتطلب بالمقابل أصواتا حادة من المغني، على خلاف مدرسة الأطلس، التي يسلك روادها “مساوية طايحة”، أي تعديلا وتريا رخوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى