fbpx
حوادثمقالات الرأي

منصور: مشروع تتميم المرسوم بقانون “الطوارئ”

مرسوم المشروع استشعر نقصا وعدم فعالية في المرسوم بقانون وأتى لتتميمه

بقلم: جدوي أشرف منصور *

عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقع تداول مشروع مرسوم 2.20.503 القاضي بتتميم المرسوم بقانون 2.20.292، المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، هذا المشروع المرفق بمذكرة تقديمية معدة من قبل وزير الداخلية، تضمن ” تتميم ” المرسوم بقانون بالمادة 4 المكررة.

بداية حول معنى التتميم، إن التتميم يراد به الإكمال، ويقال تمم ما كان ناقصا أي جعله تاما مكتملا، وبالتالي فإن مرسوم المشروع استشعر نقصا وعدم فعالية في المرسوم بقانون وأتى لتتميمه، ولم يأت مشروع المرسوم لتغيير أو حذف بعض من المقتضيات القانونية من المرسوم بقانون.
وعليه تبقى جميع مقتضيات المرسوم بقانون سارية المفعول، مادام المشروع أتى متمما فقط، فهل فعلا أتى مشروع المرسوم بتتميم أم أن المهتم بالقانون سيلحق مداركه تعتيم؟
إن أول عبارة استهلت بها المادة 4 المكررة هي عبارة ” يمكن أن تكون المخالفات لأحكام الفقرة الأولى من المادة الرابعة أعلاه…”،
يتعين التوضيح و التمييز بين لفظين، إذ شتان بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للكلمة، فعندما تقول م 4 المكررة من مشروع المرسوم المخالفات لأحكام الفقرة الأولى أعلاه، فهل يقصد بلفظ المخالفات المعنى اللغوي لكلمة المخالفة وهي تعني المعاكسة، أو تعني إتيان الضد، وبالتالي تكون كل الجرائم بمختلف تصنيفاتها من جنايات وجنح ومخالفات، هي مخالفة للقانون الجنائي.
أي أن المخاطب بأحكام القانون خالف تلك الأحكام، وبالتالي هو مخالف والفعل المأتي مخالفة، أم أن م 4 المكررة من مشروع مرسوم القانون المذكور تعني المخالفة في شقها الاصطلاحي، الذي أتى عليه الذكر في الفصل 111 من مجموعة القانون الجنائي، الذي جاء فيه” الجرائم إما جنايات أو جنح تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات وفقا للتفصيل الآتي:
الجريمة التي يعاقب عليها القانون بإحدى العقوبات المنصوص عليها في الفصل 18 تعد مخالفة”.
ونص الفصل 18 المذكور على ما يلي: “العقوبات الضبطية الأصلية هي :
1 الاعتقال لمدة تقل عن شهر،
2 الغرامة من 300 إلى 1200 درهم،
بالرجوع إلى المادة 4 المكررة من مشروع المرسوم ” يمكن أن تكون المخالفات لأحكام الفقرة الأولى من المادة 4 أعلاه موضوع مصالحة تتم بأداء غرامة تصالحية جزافية، قدرها ثلاثمائة درهم يؤديها المخالف … ” هذه العبارة و هذه العقوبة أي 300 درهم تجعل المخاطب قد يعتقد مبدئيا أن مخالفة أحكام الفقرة الأولى من المرسوم بقانون هي مجرد مخالفة، طالما المشرع رصد لها عقوبة، وهي الغرامة البالغ قدرها 300 درهم.
لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن مشروع المرسوم أتى متمما فقط، لا ناسخا ولا مغيرا ولا حاذفا، فإن أحكام الفقرة الثانية من المادة 4 من المرسوم بقانون ما زالت سارية المفعول تلك الفقرة التي تنص على ” يعاقب على مخالفة أحكام الفقرة السابقة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين دون الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد.”
يترتب عما سبق أن الفعل المُجَرَّم نفسه أصبح تحت طائلة نصين قانونيين، أحدهما يعتبر ذلك الفعل مخالفة، وهو ما أتت به المادة 4 من مشروع المرسوم، وثانيهما الفقرة 2 من المادة 4 من المرسوم بقانون، والتي تعتبر الفعل ذاته جنحة، أي أن المشرع وضع المخاطبين بأحكام المرسومين في “حيص بيص” فهل سيتابعون من أجل ارتكاب مخالفة؟ أم من أجل ارتكاب جنحة خصوصا أن مشروع المرسوم متمم فقط؟.
وهذا من شأنه أن يطرح اختلافا في التوجهات القضائية للمحاكم إذا ما عرض عليها الأمر، زيادة على أن هذا النقاش هو ليس من باب الترف الفكري فقط، بل له آثار وخيمة قد يؤدي ثمنها الموظف المكلف بإنفاذ القانون، إذ هو الأول الموجود على فوهة المدفع.
فلو اعتبر الأمر مجرد مخالفة، طبقا لما جاء به مشروع المرسوم، فإنه لا يجوز وضع مرتكب جريمة من درجة مخالفة تحت تدبير الحراسة النظرية، ولو اعتبر الفعل جنحة، فإنه يجوز وضع مرتكبها تحت الحراسة النظرية، فقد يقدر الموظف المكلف بإنفاذ القانون أن الأمر يتعلق بجنحة متلبس بها ويقرر تبعا لذلك وضع مرتكبها تحت الحراسة النظرية، ثم يشعر النيابة العامة بذلك، وتأتي المحكمة في ما بعد وتقرر أن الفعل المرتكب هو فقط مخالفة، هنا سيكون الموظف المكلف بإنفاذ القانون قد ارتكب جناية طبقا للفصل 225 من مجموعة القانون الجنائي نتيجة لوضعه ذلك الشخص تحت الحراسة النظرية، وهو لم يرتكب جنحة، بل ارتكب مخالفة فقط.
وبناء على ما سبق، وإذا كان وباء كورونا يشكل تهديدا للأمن الصحي للمواطنين، فإن ما أتى به المشروع يشكل تهديدا وإجهازا على الأمن القانوني للمواطنين.
زيادة على أن ما أتت به المادة 4 المكررة من مشروع المرسوم لهو تعتيم أكثر منه تتميم، إذ بالرجوع إلى مذكرة تقديم مشروع المرسوم بقانون، فإن سبب نزول مشروع المرسوم يعزى إلى ” أنه وبعد التخفيف من قيود الحجر الصحي والسماح بمزاولة بعض الأنشطة الاقتصادية، لوحظ عدم احترام هذه التدابير المتخذة، من قبيل عدم احترام مسافة التباعد بين الأشخاص وعدم ارتداء الكمامة كإجراءات وقائية للحد من تفشي هذا الوباء اتخذتها السلطات العمومية …”.
وحسب المذكرة التقديمية لمشروع المرسوم، فالهدف منه التفعيل الأنجع للمقتضيات الزجرية المنصوص عليها في هذا المجال، حيث جاء المشروع بمقتضيات خاصة يمكن أن تكون موضوعة مصالحة لتفادي التنقل إلى المحاكم وما قد تنتج عن ذلك من تعقيدات، زيادة على تفشي الوباء.
إن التفعيل الأنجع للمقتضيات الزجرية ذات الصلة يقتضي أن تؤخذ تلك المقتضيات الزجرية في شموليتها، والمقصود بالشمولية هنا استحضار المرسوم بقانون المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية بمواده ومقتضياته كاملة، و تجنب التفكير التجزيئي، فالمادة 4 المكررة من مشروع المرسوم تطرح عدة إشكالات ومخاطر جمة على الأمن القانوني للمواطنين.
ولأن إشكالات تلك المادة لا تنتهي وهو ما يهدد الأمن القانوني للمغاربة تهديدا لا يقل عن تهديد الوباء، فقد ورد في م 4 المكررة من المشروع “يمكن أن تكون المخالفات …موضوع مصالحة تتم بأداء غرامة تصالحية يؤديها المخالف فورا، بناء على اقتراح من الضابط أو العون”.
إن النص المذكور ترك المبادرة للضابط أو العون في اقتراح الأداء و لم يجعل على الضابط أو العون المذكور وجوبا اقتراح الأداء الفوري، حيث تغيب أي صيغة تفيد الوجوب، مثل يجب أو يتعين على الضابط أو العون أن يقترح، فالضابط أو العون إن شاء اقترح و إن لم يشأ لم يقترح، وبالتالي قد نكون أمام حالة لشخصين ارتكبا الفعل نفسه أحدهما اقترح عليه الأداء الفوري واستجاب وأدى وسقطت تبعا لذلك الدعوى العمومية عنه، وحالة أخرى لفرد لم يقترح عليه الأداء وأصبح أمام المحكمة متابعا، من قبل النيابة العامة من غير ذنب جناه، بل جنى عليه انعدام الاقتراح.
ولئن كان الشخصان مضرب مثالنا السابق عرفا مماثلة في الفعل، فإنه يجب أن يعرفا مماثلة في المعاملة هو ما ليس بمتحقق.
ولأن إشكالات المادة 4 المكررة من مشروع المرسوم تأبى الانتهاء، فقد وقع التنصيص فيها على الضابط أو العون محرر المحضر، فما المقصود بالضابط أو العون محرر المحضر، خصوصا إذا علمنا أن التصدي للوباء تشارك فيه فعاليات عديدة، فهناك موظفو المديرية العامة للأمن الوطني، ورجال السلطة وأعوانها، والدرك الملكي، والقوات المساعدة … وكل هاته الأجهزة تضم ضباطا وأعوانا.
زيادة على أن الإشكال يوجد أكثر في كلمة ضابط أو عون، فهل المقصود بضابط ضابط الشرطة القضائية، وهل المقصود بعون عون الشرطة القضائية، ولأن العام يؤخذ على عمومه و الخاص يؤخذ على خصوصه و لأن مشروع المرسوم هو استثنائي نظرا للحالة الوبائية، فهل المقصود بضابط ضباط الشرطة الإدارية …
وإذا كانت م 4 المكررة التي جاءت بالمشروع تتحدث عن الضابط أو العون محرر المحضر، فإنها توحي بأنه يمكن أن تتم معاينة المخالفة من قبل ضابط أو عون، و أن يتولى التحرير ضابط او عون آخر وهو ما ليس بقانوني، إذ يجب أن يحرر المحضر من عاين المخالفة وإلا أصبحنا أمام تزوير، إلا أن تلك المادة تركت الحبل على الغارب بحديثها عن الضابط أو العون محرر المحضر، ولم تتحدث إطلاقا عن الضابط أو العون الذي عاين المخالفة، فشتان بين ضابط عاين وحرر وضابط سمع وحرر، أو لم ير وحرر وليس من رأى كمن سمع.
كانت تلكم تأملات في بعض الإشكالات تظهر على أن مشروع المرسوم و المرسوم بالتنافر موسوم.
* محام بهيأة البيضاء
وباحث في العلوم الجنائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق