fbpx
ربورتاج

الأحباس … وجه الأصالة الصامد

قصة حي فكر فيه الفرنسيون ونفذه المعلمون المغاربة

وسط صخب البيضاء ومجالها العمراني، المتسم بالقساوة والاكتظاظ، وإيقاعها المتسارع والمتلف للأعصاب والمنفلت عن الضبط، ينبسط حي الأحباس كقطعة معمارية مجتزأة من خارج الزمن البيضاوي غارقا في تفرده المعماري المميز، الذي ظل محافظا على لمسته الأصيلة التي أهّلته واحدا من أعرق الأحياء التي قاومت مظاهر الترييف، التي غزت العاصمة الاقتصادية، ما جعله أكبر نقطة جذب سياحي لزوار يبحثون في ثناياه عن عبق تاريخ مفقود في بقية أرجاء المدينة التي لا تتوقف عن تغيير جلدها في كل لحظة وحين، ليظل حي الأحباس مثل ماسة ثمينة في عروة الثياب المهلهلة والفوضوية لكازابلانكا. في هذا الخاص تستعيد معكم “الصباح” قصة هذا الحي وأسباب نزوله، قبل أزيد من قرن من الزمان.

إنجاز: عزيز المجدوب

قبل حوالي ثلاث سنوات مرت الذكرى المئوية الأولى لميلاد حي الأحباس أو “الحبوس”، كما يحلو للبيضاويين تسميته، دون أن تحرك هذه الذكرى أي رغبة لدى الجهات المعنية في لملمة جزء من تاريخ وذاكرة حي مازال يمنح للبيضاء عمقها التاريخي، ويشكل استثناء داخل فضاءاتها المتعددة، والتي لم تقو جلها على مقاومة لوبي العقار، الذي أمعن في التمثيل بجسد المدينة، وتغيير معالمه بطريقة شوهت ملامحه وجعلته كائنا هجينا مؤذيا للأبصار والنفوس.
حي الأحباس الذي استمد شرعية وجوده من قربه ومجاورته للقصر السلطاني، الذي كان سببا في ميلاده، وعاملا على ضمان الحماية له من كل المتربصين لأزيد من قرن، أي منذ 1917 حين اتخذ القرار بإنشاء هذا الحي، الذي يقع على مرتفع وموقع استراتيجي يطل على بقية أجزاء البيضاء، خاصة منها نواتها الأولى المدينة القديمة المحاذية للبحر، والأحياء الأوربية التي بدأت في التناسل في كل الاتجاهات والمساحات الفارغة التي كانت تفصل المدينة القديمة عن الهضبة التي شيد فيها القصر السلطاني وحي الأحباس بعده مباشرة.

حصن المراقبة الذي أغرى السلطان

لكن مع ذلك ظلت أسباب اختيار هذه النقطة بالذات لتشييد القصر السلطاني لم تنجل بعد معالمها بالنسبة إلى الباحثين، وهناك من يرى أن الموقع الحالي للقصر اختارته القوات الفرنسية منذ اللحظات الأولى لغزوها المدينة والمجال المحيط لها سنة 1907، لتشييد واحد من أبراج المراقبة التي تمكنها من بسط سيطرتها ومراقبتها على المعابر والطرق الأساسية المؤدية إلى عمق المدينة، ومنها “طريق مديونة”، ولذلك تم بناء “حصن بروفو”، الذي سمي على أحد القادة العسكريين الفرنسيين، سنة 1908، في المكان الذي يشغله حاليا قصر السلطان، وغير بعيد عنه شيد “حصن إيلير” في الموقع الحالي ما بين شارعي 2 مارس وزنقة سبتة، لتتم بذلك المراقبة الشاملة لمداخل المدينة.
خلال اللحظة التي شيد فيها القصر السلطاني على عهد السلطان مولاي يوسف (1912 – 1927) ابتداء من 1915 من طرف الإخوة “بيرتوزيو”، بدا أن موقع الحصن أغرى السلطان، رغم أن المجال المحيط بالقصر كان شبه خال، باستثناء بعض البنايات القليلة منها فيلا “كارل فيك” التي شيدت سنة 1910، فيما لم تتحدد بعد ملامح الحي الأوربي الذي سيحمل فيما بعد “مرس السلطان” وسيتوسع فيه الحي الأوربي، في الوقت الذي سيولد حي للأهالي سيكون حي الأحباس نواته الأولى، قبل أن يمتد في اتجاه “المدينة الجديدة”، التي ستتشكل من أحياء درب السلطان.

هبة بندحان

تتحدث الكتابات التي تناولت بدايات ميلاد حي الأحباس عن شخصية حاييم بن دحان اليهودي، الذي وهب الأرض التي بني عليها الحي، وكانت تسمى حسب الوثائق القديمة “بحاير لكرازم”.
وفي هذا السياق يقول الباحث والمؤرخ نور الدين فردي، إن حاييم بندحان، الذي كان يعتبر من أكبر الملاكين للأراضي بالبيضاء عمل على منح الهبة بتوجيه من صديقه مدير الأحباس الفرنسي “بيارني”.
ويشير فردي، في حديث مع “الصباح” أنه ليست المرة الأولى، التي يقدم فيها هذا الملاك بقعا أرضية لإنجاز مشاريع داخل المدينة، ومن هنا تطرح العديد من الأسئلة حول قيامه على هذه الخطوة، كما أن بندحان وشركاءه كانوا يمتلكون عقارات في المناطق التي عرفت توسع المدينة الجديدة .
وأقرت إدارة الحماية إنجاز المشروع بمحاذاة طريق مديونة، في منطقة “حصن بروفو”، الذي أعد سابقا نقطة عسكرية لتوقيف مقاومة قبائل الشاوية.
ويتضح، حسب الباحث في التاريخ الحضري والجهوي بجهة الشاوية، من خلال التصاميم الأولية، التي وضعت من قبل الحماية ( خصوصا تصميم 1912 و1915 )، أن إنشاء منطقة خاصة بالسكن للسكان المحليين كان محددا مند بداية تهيئة المدينة، فالمنطقة الشرقية خصصت للأحياء الصناعية والمنطقة الغربية خصصت مناطق لتوسع الجالية الأوربية، إضافة الى ذلك كان هدف الفرنسيين من تحديد موقع المدينة الجديدة للأهالي مرتبط بحركة السكان القادمين من الشاوية، والعمل على إيقاف تحركاتهم الى داخل المدينة الأوربية، كما كان لمشروع تشيد القصر السلطاني دور اساسي في وضع لبنة الحي الجديد.
وهكذا انطلق تشييد المدينة الجديدة بحي الأحباس، الذي كان يسمى في البداية “القرية الحبسية” ( حسب مراسلات مديرية الاحباس) أو “قرية الأهالي” (حسب الإدارة الفرنسية)، وبدأت الإجراءات المرتبطة بتوفير العقار منذ 1917 وهي السنة التي عرفت وفاة بندحان، لكن ورثته عملوا على تنفيذ الإجراءات، لأن الحماية كانت وراء ذلك .

حجي… المقاول الذي نفذ أفكار “كادي”

من جانبه يتتبع الباحث محمد نجيدي كرونولوجيا بناء حي الأحباس، من خلال دراسة له قائلا، إن السلطان مولاي يوسف قام بتحبيس الأرض التي وهبها له حاييم بندحان، في 14 مارس 1917، وكانت مساحتها 41600 متر مربع، لفائدة المسجد الأعظم بالبيضاء “ليبنى به من مالية الأحباس ما تدعو الحاجة إليه لسكنى المسلمين”.
وفي اليوم الموالي، يضيف الباحث نفسه اعتمادا على وثائق نظارة الأحباس بالبيضاء، انعقد مجلس للوزراء تحت رئاسة السلطان الذي “وجه أنظار وزير الأحباس إلى الفائدة التي تحصل بإنشاء حومة للمسلمين جديدة في البيضاء ويتعين على إدارة الأحباس أن تساعد هذا المشروع”.
وتم تقسيم إنجاز أعمال بناء حي الأحباس على عشرين قسما، اشتمل كل واحد منها على “عدة دور وحوانيت وغير ذلك”.
وفي الوقت الذي لا توجد فيه معلومات دقيقة عن كيفية بداية الأشغال بالحي، وفقا لنجيدي، إلا أنه في المقابل توجد مراسلات بين المقاول الذي أشرف على بناء الحي ويتعلق الأمر بالمعلم عبد السلام حجي السلاوي، منها واحدة في شتنبر 1919 تشير إلى استجابته لطلب عروض نظارة أحباس البيضاء، من أجل بناء ستة عشر دارا مع دكان واحد وبئر، كما أعلن التزامه بجميع التصاميم والشروط وعرض القيام بذلك في ظرف خمسة أشهر، ووفقا للتخطيط الذي وضعه المهندس الفرنسي كادي، الذي وضع التصور العام وتصاميم حي الأحباس.
وكان الشطر الأول من حي الأحباس يتضمن عشرين قسمة، تم إنجازها جميعا في نهاية شتنبر 1924، تلته عملية تحسين الدكاكين لترغيب التجار فيها، وهي العملية التي استمرت إلى أكتوبر 1927، وهي المرحلة التي ربط فيها بشبكة الكهرباء، في الوقت الذي تعاقب معلمون ومقاولون آخرون مغاربة على إتمام ما تبقى من الحي، مثل المعلم محمد بن عمر السلاوي والمفضل المعضادي السلاوي والمعلم محمد بن الطاهر الهراوي.
كما يعد “درب الحاجب” أحد أقدم أحياء الأحباس، إذ شيد سنة 1924 بجوار القصر السلطاني من قبل التهامي اعبابو، وظل الحي منسوبا إليه، إلى أن تم هدم جزء منه خلال الثمانينات، من أجل توسعة القصر الملكي، وبالموزاة معه تم الشروع في بناء درب كرلوطي، خلال السنة نفسها، والذي كانت تفصله السكة الحديدية عن الأحباس، إضافة إلى درب البلدية، ليمتد العمران إلى بقية أحياء درب السلطان.
وتم تدشين “المسجد اليوسفي” سنة 1923 من طرف السلطان الذي يحمل المسجد اسمه.
وما يمنح لهذا المسجد طعما و شكلا هندسيا خاصا هو صومعته الجميلة، والتي تشبه إلى حد كبير صومعة مسجد الكتبية بمراكش، والتي تحيل على عهد الموحدين.
سنتان فقط كانتا كافيتين لتشييد المسجدي المحمدي، نسبة إلى السلطان محمد الخامس، على مساحة 4210 أمتار مربعة و المشابهة الى حد كبير لمسجد القرويين بفاس، بعد تدشينه من طرف السلطان الشاب في يونيو 1936.

محكمة الباشا بدون حديد

تعد محكمة الباشا من أجمل المعالم المعمارية بالبيضاء، أبدعتها أيادي صناع وحرفيين مغاربة، تحت إشراف المهندس المعماري الفرنسي أوغست كادي، الذي كان مفتونا بالعمارة الموريسيكة، فصمم البناية على النمط المعماري المغربي الأندلسي، على شاكلة قصور ومساجد غرناطة الأندلسية.
واستطاعت البناية، التي تمتد على مساحة 6000 متر مربع، وتتكون من أكثر من ستين غرفة، إضافة إلى الحدائق الداخلية، أن تجمع بين المحكمة وإقامة باشا البيضاء والسجن في مبنى واحد، وكان الهدف من إنشائها الفصل في النزاعات التي تجمع بين سكان المدينة الجديدة، التي كانت تشمل آنذاك أحياء خارج سور المدينة القديمة للبيضاء ووسطها، مثل درب السلطان ودرب غلف وغيرها.
واستعملت في بناء المحكمة، التي تشبه “الرياضات” الفسيحة للمدن العتيقة، مواد تقليدية، مثل الرخام الرمادي والأبيض وخشب الأرز والجير والجبس، في حين زينت أسقفها بالزخارف والخشب المحفور والأقواس الجصية.
اتخذ قرار بناء المحكمة في نهاية الثلاثينات، من طرف باشا البيضاء آنذاك الطيب المقري، ابن الصدر الأعظم محمد بن عبد السلام المقري، الذي اختار لها منطقة الأحباس الجميلة، وتزامن بناؤها مع الحرب العالمية الثانية واضطر المقاول الحجوجي، الذي نفذ عملية البناء إلى الاستغناء عن مادة الحديد بحكم الأزمة العالمية، التي كانت تخص هذه المادة الحيوية في تلك الظروف العصيبة، وهو ما جعله يعتمد على الطرق التقليدية في تشييد هذا الصرح المعماري، الذي ظل محافظا، بعد أن تحول حاليا إلى مقر لمجلس جهة البيضاء سطات، على رونقه وأصالته وشموخه، وقبلة للسياح الذين يقفون منبهرين بمعماره الفريد، الذي جعل منه تحفة معمارية بيضاوية بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق