fbpx
افتتاحية

اعتذار وزير

كان ممكنا لمصطفى الرميد أن ينهي الموضوع برمته، لو تغلب على نفسه، وكتب ورقة من بضع كلمات يعتذر فيها على “سوء تقدير”، في تسجيل مستخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
أمام وزير الدولة في حقوق الإنسان فرصة أن يكبر باعتذار، وبكلمات طيبة في حق سيدة متوفاة، رافقته 24 سنة، وأمنها على “أسرار” مكتبه، وسرت بينهما علاقات إنسانية على مدى سنوات، لكن، في لحظة، اكتشف أن خطأ وقع (بحسن نية) بعدم منحها حقا قانونيا مشروعا، يلزم بموجبه كل مشغل على أن يسجل مشغليه في سجلات التغطية الاجـتماعية.
هي أخطاء مشابهة تقع في كل مكان، وفي جميع المجالات وفي جميع المكاتب والمقاولات، وفي سياقات وظروف مختلفة، تتم معالجتها بطرق وتعويضات ومتأخرات وغرامات تنص عليها القوانين ذات الصلة، وهي نصوص وضعت أصلا لتدارك الأخطاء وتصحيحها.
فلماذا اختار المحامي والقيادي في العدالة والتنمية ووزير العدل السابق ووزير الدولة الحالي في حقوق الإنسان، هذا الطريق الصعب من المناورات واللف والدوران، بدل التصريح بكلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في ميزان مساره الإنساني والسياسي هما: “أخطأتُ وأعتذرْ”.
فلم يكن الأمر يكلف سوى إيمان داخلي بأن الإنسان خطاء بطبعه وسلوكه، ولا يمكن أن يُطلب من أي بشر أن يكون مثاليا وكاملا في جميع تفاصيل حياته، ولن يحاول الرميد أن يقنعنا بالعكس مهما فعل.
كلنا نخطئ ونصيب، وحين نخطئ في حق الآخرين، ونتأكد أننا أخطأنا في حقهم (بغض النظر عن نوايانا) وجب علينا أن نعتذر لهم اعتذارا جميلا يجبر الخواطر ويصفي ماء النفوس، ويعيد الطمأنينة إلى القلوب، وهذا هو المطلوب في الحالات المشابهة.
إن الرميد، باختياره طريق العناد، استسلم إلى نفسه (الأمارة بالسوء)، وهو يحاول أن يقنعنا (باطلا)، أنه منزه عن الأخطاء، وأن ما وقع ليس خطأ، بل نزول عند رغبة المعنية بالأمر، التي رفضت تسجيل نفسها، فعوضها عن ذلك بطرق أخرى.
والحال أن الأمر لو صدر عن شخص آخر لهان الأمر، واعتبرناه جهلا، أما أن يصدر عن رجل يعرف نقاط وفواصل المجمعات القانونية المغربية، فهذا أمر، لا مخرج منه إلا بالخروج إلى العلن وتقديم اعتذار:
-إلى المتوفية أولا، التي سلبت كرامتها، إذ في الوقت الذي كان بإمكان صندوق الضمان الاجتماعي أن يتكلف بعلاجها، ويؤدي أقساطها، كانت تنتظر “صدقة” من مكتب المحامي.
-إلى أسرتها، ووالدها أساسا، الذي جُرجر إلى مقاطعة لتوقيع شهادة “مصادق عليها” ضد ابنته ويبرئ مشغلها، وينوه بأفضاله عليها.
-وأخيرا إلى المغاربة الذين حز في أنفسهم، أن يكون “وزيرهم” في العدل، وحقوق الإنسان، أول من يوزع عليهم الظلم.
بالتقسيط المريح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى