حوادثمقالات الرأي

هـلال: المحاكمة الزجرية عن بعد ومبدأ الشرعية الإجرائية (3/3)

المحاكمة تعتريها صعوبات لوجستيكية تقنية وأخرى بشرية

بقلم: ذ. خـالد هـلال *

وفي إطار التأطير الواقعي والتقني والجزاء القانوني للمحاكمة الزجرية عن بعد، فإن إجراء محاكمة زجرية عن بعد في ظل هذه الظرفية لتصريف ملفات السجناء المعتقلين، وتمتيعهم بحقهم في محاكمة داخل أجل معقول دون تأخير، تجد صعوبات واقعية، من حيث عدم توافر نظام دعائم إلكتروني، يوفر نقل الصورة والصوت من مؤسسة السجن لهيأة المحكمة، وأطراف الخصومة الجنائية بشكل جماعي ومشترك يسمح لكل طرف في الدعوى الجنائية أن يتتبع مباشرة إجراءات المحاكمة.
وأن هذا المقتضى هو الذي أعدم هذه التقنية، لأن استعمال وسائل الاتصال لإجراء هذه المحاكمة عن بعد، يتطلب مبدأ الحضورية والشفوية والعلانية، فحتى الحضورية إن كانت عبر الصورة والصوت فهي غير مكتملة، لأن هيأة المحكمة صعب عليها أن تساير إجراءات استجواب واستسفار المتهم من مكان وجوده بالمؤسسة السجنية، لضعف وجود انترنيت ذي سرعة عالية، وميكروفونات وسماعات ذات جودة عالية، وكاميرات “الويب” سهلة النقل دون تعطل، كما أن إمكانية إجراء محاكمة عن بعد تتوقف على موافقة صريحة للمتهم، ولكافة أطراف الدعوى الجنائية في استعمال هذه التقنية، وهو إجراء كذلك محل مناقشة قانونية، من حيث إن وجود المتهم بالمؤسسة السجنية يعدم إرادته، فقد يوافق على التقنية عبثا دون أدنى معرفة بها وبحقوقه القانونية، ودون أن يكون له محام للتخابر معه بشأنها.
وقد يرفض المتهم التقنية، وفي هذه الحالة يتعين على هيأة المحكمة إرجاء محاكمته إلى أجل آخر، بقصد حضوره الذاتي والمادي للمحكمة. كما أن من بعض الملاحظات التي سجلت على هذه التقنية في الطرح الأول بعد افتراض موافقة صريحة للمتهم على تقنية المحاكمة عن بعد ما يلي :
– صعوبة إطلاع المتهم على ما تضمنه المحضر من إجراءات تمهيدية.
– صعوبة إطلاع المتهم على محضر تصريحه في حال منازعته في المادة 24 من (ق م ج)، بخصوص توقيعه أمام الضابطة القضائية .
– صعوبة إطلاع المتهم على المحجوزات وعرضها عليه ومواجهته بها .
في الحالة التي يرفض فيها المتهم الخروج من زنزانته، إلى مقر غرفة الاتصال بالمؤسسة السجنية لحضور الجلسة عن بعد، هل ستطبق في حقه المادة 314 من (ق م ج)؟
بالنسبة إلى جرائم الجلسات، إذا كان المتهم نفسه هو من أحدث اضطرابا، تطلب طرده من الجلسة بتفعيل المادة 358 (ق م ج)، وفي حال استمرت المناقشة في غيبة المتهم، كيف يمكن لكاتب الضبط أن ينتقل إلى المؤسسة السجنية في ظل حالة الطوارئ، لتلاوة محضر المناقشات والملتمسات والأحكام والقرارات التمهيدية الصادرة مند طرده؟.
المادة 385 من (ق م ج) تنص على حق المتهم في طلب أجل لإعداد دفاعه واختيار محام، إذ كيف سيتم اختيار محام من طرفه، في ظل انعدام وسائل الاتصال والتواصل والمخابرة مع عائلته في ظل جائحة “كورونا”، مع قرار منع إخراج السجناء من المؤسسة السجنية؟، علما أن هذا الحق ينتج عنه البطلان في حال مخالفته.
هذه بعض الملاحظات الواقعية والتقنية لإجراءات المحاكمة الزجرية عن بعد، والتي ستطرح لا محالة مستقبلا جزاءات قانونية من (بطلان وإبطال) اعتبارا للمواد 300 و324 و370 و374 و751 من قانون المسطرة الجنائية.
وفي خضم هذا النقاش القانوني، الذي أثير حول مدى صحة إجراءات المحاكمة الزجرية عن بعد، من عدمها ومدى سلامتها من الناحية القانونية، بعد استحضار كل من البعد القانوني والبعد الحقوقي، وكذا البعد التقني والواقعي، واستحضارا للأمن الصحي.
يطرح السؤال العريض التالي:
هل المحاكمة الزجرية عن بعد لها تأثير وأثر على السلطة التقديرية للقاضي الجنائي؟ بمعنى هل لها تأثير على الاقتناع الصميم الذي اشترطته المادة 286 من (ق م ج) وبصورة متكررة من خلال الإشارة المتكررة “….ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم…..ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي….”
من هنا لا بد أن نقف على تعريف ومعنى الاقتناع ومعنى الصميم :
فالاقتناع في معجم المعاني الجامع يعني الارتياح والقبول والاطمئنان، والاقتناع في الفقه الجنائي، يعني أن للقاضي الجنائي مطلق الحرية في قبول جميع الأدلة التي يقدر جدواها لتكوين قناعته واستبعاد أي دليل لا يطمئن إليه.
والصميم في معنى معجم المعاني الجامع يعني العمق، والخالص، والوسط، وقانونا يعني أن القاضي الجنائي غير مقيد بوسائل إثبات دون الأخرى في الأدلة المعروضة عليه.
ومن هذا نجد أن القاضي الجنائي يبحث في الأدلة والقرائن والوسائل، ويأخذ بما اطمأن إليه وجدانه وقلبه بصفة خالصة وعميقة، وهو إحساس ذاتي داخلي لا يصل إليه القاضي الجنائي، إلا في إطار محاكمة حضورية للمتهم وباقي أطراف الخصومة الجنائية.
كما أنه لا شك في أن لتمكين المتهم من حضور محاكمة عن قرب، دورا كبيرا في طمأنته ويشكل ضمانة هامة له تساعد القاضي الجنائي على ملامسة وقائع القضية من خلال حركات المتهم، وانفعالاته وطريقة إجابته ومحيا وجهه وتصرفات جسده وملامح سرده، وأنه أثناء مواجهته، سواء بمعطيات القضية من محجوزات وشهود، سيساهم في تعميق القاضي الجنائي ودراسة كل العوامل النفسية والبيئية للمتهم، لتكوين قناعته الوجدانية من خلال عملية سلوكية إحساسية، تلتقي فيها المعرفة والإدراك من جهة والإحساس والشعور من جهة ثانية، لاتخاذ القرار الجنائي المناسب، فالتواجهية وسيلة وغاية في آن واحد تمكن القاضي الجنائي من التوصل إلى قناعة وجدانية سليمة، لا تتأتى إلا بحضور المتهم جسدا وذاتا، وليس في شكل صورة وصوت عبر وسائل الاتصال.
وخلاصة لكل ما سبق، فإن المحاكمة الزجرية عن بعد المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، هي محاكمة تعتريها صعوبات لوجستيكية تقنية، وأخرى بشرية فرضتها حالة الطوارئ، التي تعيشها كل دول العالم. وتبقى تجربة ضرورية تبررها حالة الطوارئ الصحية ومقاربة الأمن الصحي في إطار حماية منظومة النظام العام، لأن السلامة الصحية جزء لا يتجزأ من النظام العام، في انتظار إعادة النظر في الصياغة القانونية لمشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد، وشرعنة تقنية المحاكمة الزجرية عن بعد، مع ملائمتها لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.
* محام بهيأة البيضاء
عضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية
للدفاع عن حقوق الإنسان والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق