fbpx
خاصمقالات الرأي

لكدالي: نحو نظام جديد للحماية الاجتماعية

هل تستوجب إصابة الأجير بـ ״كوفيد 19״ التعويض؟ (2/2)

بقلم: الدكتور طارق لكدالي*

ان انعكاسات جائحة كورونا “كوفيد 19 ” لم تقتصر فقط على الجانب الصحي بل امتدت الى الجانبين الاقتصادي والاجتماعي من خلال تأثيرها على أسس الإنتاج ومناصب الشغل في كل القطاعات على المستوى الوطني والدولي، حيث أكدت مجموعة من المؤسسات الدولية ومن بينها منظمة العمل الدولية من خلال مديرها للسياسات القطاعية فان لور أرليت، أن ” عالم العمل يمر بأسوأ أزمة دولية منذ الحرب العالمية الثانية والتأثير الاقتصادي للوباء سيكون خطيرا وطويل الأمد” ، لكن رغم هذا الوضع القاتم ، فإن المنظمة لم تدع العمال أن يعودوا لمزاولة أعمالهم إذا لم تؤمن لهم المقاولة شروط الصحة والسلامة المهنية، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية .

3 – التعويض عن المرض

من الإجراءات المواكبة لنظام البطالة المؤقتة، والتي تجعل من الضمان الاجتماعي آلية فعالة في ظل الأزمات، على غرار الأنظمة المقارنة وتقارير المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، فان الدعوة أصبحت ملحة في إيجاد قانون للتعويض عن المرض في حال ظرفية المرض الصعبة والمؤقتة، بهدف تخفيف العبء عن المقاولات والاستجابة لحاجيات الأجراء، لما لهذا التعويض عن المرض في ظل الجائحة من أهداف استراتيجية منها:
•منح الأجراء الوسائل المادية قصد إعانتهم أثناء البقاء في منازلهم تفاديا للعدوى؛
• تعويض مواز للآباء المسؤولين عن صحة أبنائهم ورعايتهم خلال إغلاق المدارس.
• مساندة المقاولات في مواجهة التزاماتهم في تدبير الموارد البشرية.
ولتحقيق ذلك يجب العمل على وضع معايير جديدة لفتح الحق في التعويض عن المرض لا يقتصر فقط على الإصابة بالمرض المثبت طبيا المعمول به حاليا، بل يتعداه للغياب بسبب تفشي المرض أو لأسباب صحية، على اعتبار أن معايير الوقاية بالنسبة للأشخاص الموجودين في حالة الحجر الصحي، والذين لا تظهر عليهم عوارض المرض أو الأجراء المصابين بأمراض مزمنة، حيث حماية هؤلاء أولى ولحماية الجميع، وإتاحة القدرة على التحكم في الجائحة وانحباسها عبر إجراءات الوقاية من العدوى.
ناهيك عن أن إغلاق المدارس لأسباب صحية، قد تمكن الآباء المتكفلين بأبنائهم لهذه الأسباب الاستفادة من هذا التعويض في حالة عدم إمكانية بعضهم تنفيذ عقود شغلهم عبر آلية العمل عن بعد.

4 – هل إصابة الأجير بكوفيد 19 حادثة شغل ام مرض مهني؟

تقوم فكرة الحماية الاجتماعية، على فكرة تحمل المشغل أو مؤمنه تعويض الأخطار المهنية ،التي قد تصيب الأجير فجأة وبفعل عنيف فجائي ، وبمناسبة أو بسبب الشغل أو عند القيام به ،ويترتب عنه عجز جزئي أو كلي مؤقت أو دائم عن العمل، وهو الذي يعبر عنه بحوادث الشغل، ولو كانت هذه الحادثة ناتجة عن قوة قاهرة أو كانت ظروف الشغل قد تسببت في مفعول هذه القوة، أو زادت في خطورتها ،الا اذا أثبت المشغل أو مؤمنه طبقا للقواعد العامة، أن مرض المصاب كان سببا مباشرا في وقوع الحادثة، طبقا لمقتضيات المادة 3 من القانون 12.18 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل ، كما يتحمل المشغل التعويض عن المرض المهني كمرض يصيب الأجير بسبب تعرضه لعوامل ضارة مختلفة في وسطه المهني من أعراض التسمم الخطيرة والمزمنة أو الأمراض التعفنية أو الأمراض الناتجة عن الوسط المهني .

وفي ظرفنا هذا، قد نتساءل، هل إصابة الأجير بفيروس كورونا كوفيد 19 يعتبر حادثة شغل أو مرضا مهنيا وأهميته العملية في معرفة الجهة المؤمنة؟
تضاربت الآراء وحججها في تكييف إصابة الأجير بالفيروس على انها حادثة شغل أو مرضا مهنيا، وحسبنا في هذا المقام استعراض ما يلي :
أما اعتبار الإصابة بمرض كوفيد 19 حادثة شغل، ففي نظرنا يظل أمرا صعبا، ولا ينسجم مع تعريف حادثة الشغل وعناصرها المنصوص عليها في التشريع المغربي ،وأهمها الإصابة بالمرض بمناسبة أو بسبب الشغل أو عند القيام به، كما يتعارض من الناحية التقنية والعلمية، والتي أثبتت بأن فترة حضانة المرض تصل الى 14 يوما لكي تظهر عوارض هذا الوباء ، وبالتالي يستحيل من الناحية التقنية تكييف الإصابة واسنادها لظروف الشغل ،وتحديد زمن الإصابة بالمرض أثناء أوقات الشغل أو خارجه ،وبالتالي فقدان أهم معيار قانوني في التكييف، وهو وجود علاقة التبعية بين الأجير ومشغله اثناء الاصابة بالمرض .
أما بخصوص تكييف الإصابة بالفيروس مرضا مهنيا أم لا، فيحتاج الى معايير واضحة تمكن من ضبط الأمراض ذات الطبيعة المهنية، وتطورها الطبي والتقني، مع ابراز الأعمال والمواد المسببة فيها ،والمدة الزمنية اللازمة للإصابة بها، من خلال العمل بانتظام في المحيط المتسبب في المرض، وبالتالي أجرأتها في قوانين، وهذا هو الاتجاه الغالب في التشريع الخاص بالأمراض المهنية بالعالم ،وهو ما نهجه أيضا المغرب من خلال قوانينه المرتبطة بالمرض المهني ،والتي تحيل على السلطة التنظيمية أمر تحديد جداول للأمراض المهنية بقرار لوزير الشغل والادماج المهني بعد استشارة وزارة الصحة كوسيلة فعالة ،ومرجعية علمية وقانونية .
وللإشارة فإن كوفيد 19 لم يتم الى الآن التنصيص عليه بكيفية صريحة في لوائح الأمراض المهنية التي تصدرها منظمة العمل الدولية، وانما اقتصرت المنظمة فقط على الإشارة الى المخاطر البيولوجية المتجددة جينيا، والتي تسبب عدوى أو حساسية أو تسمما لها علاقة مباشرة وعلمية مع المرض، والتي تنسجم مع الشروط المحددة وطنيا بعد اثباتها علميا.
وما تمت الإشارة اليه بخصوص حوادث الشغل يستغرق الأمراض المهنية من حيث صعوبة تحديد علاقة السببية المثبتة بأن الأجير اتصل أو تعرض للفيروس في الوسط المهني ،مع وجود استثناءات أقرتها مجموعة من الدول، كإيطاليا وألمانيا من خلال اعترافها بان الإصابة بعدوى مرض كوفيد 19 تعتبر مرضا مهنيا بالنسبة للأطباء والممرضين والمستخدمين بالمصالح الصحية والمؤسسات الاستشفائية العمومية والخاصة، واعتبرت أن العدوى مفترضة في هذه المهن، من أجل تأمينهم اجتماعيا من مخاطر الإصابة بعدوى الجائحة، بينما استبعدت هذا التكييف في ما عداها من المهن وفي جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى لإشكالية التكييف وتحديد العلاقة السببية بين الجائحة والوسط المهني ، بينما اتجهت دول أخرى اتجاها مغايرا، من قبيل كندا وجنوب افريقيا ،والتي ربطت اعترافها بمرض كوفيد 19 مرضا مهنيا كلما اثبت الأجير طبيا تعرضه للمرض في الوسط المهني، مع إضافة جنوب افريقيا لشرط آخر يرتبط بأن منسوب خطر العدوى مرتفع في البيئة المهنية التي أصيب فيها الأجير.
وعليه، لا يمكن الحسم في المغرب بمهنية مرض كوفيد 19، الا بإضافته الى جداول الأمراض المهنية أولا، وتحديد القطاعات المهنية المفترض في أجرائها اتصالهم بعدوى الفيروس، من خلال ممارستهم لنشاطهم المهني، قصد تمديد الحماية الاجتماعية والتعويض عن اضرار الإصابة بهذا المرض داخل الوسط المهني.

5 – الحماية الاجتماعية المتعلقة بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء

صدر أخيرا، بالجريدة الرسمية القانونان98-15 بتاريخ 13يوليوز2017 و 99-15 بـــتاريـــــــخ 21 دجنبر2017 ،والمتعلقان تباعا بنظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض ونظام المعاشات الخاصة بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا، وفي انتظار تعميم هذه الأنظمة على جميع الفئات الخاضعة بأصنافهم وأصنافهم الفرعية المنصوص عليها في المادة الثانية من القانون 98-15، والمرتبطة فقط بإتمام جميع المشاورات مع الفئات المعنية والفرقاء الاجتماعيين ، لتطبيق هذه الأنظمة على الخاضعين لها طــبقا للمادة السادسة من الـــقانون نفسه، ليلتحقوا بالفئات التي صد مرسومها بالجريدة الرسمية عدد 6846 بتاريخ 15 يناير 2020 ، والمتعلقة بفئات القوابل والمروضين الطبيين والعدول، في أفق تعميم الاستفادة على باقي الأصناف، كضرورة ملحة في ظل المخاطر، التي أثبتت جائحة كورونا أنها لا تستثني تداعياتها أي نشاط كيفما كان نوعه ، بل الأكثر من ذلك يلزم التفكير في توسيع التعويضات الاجتماعية لكي تستغرق حتى حالات التوقف المؤقت لأنشطة هذه الفئات كتعويضات مؤقتة لحماية مداخيل هذه الفئات، في مثل هذه الأزمات وسواها.
وختاما لما سبق، لعلي أسهم من خلال هذا المقال في تسليط الضوء على عناصر مهمة في الحماية الاجتماعية، من شأنها أن تعزز مشاريعنا ومقترحاتنا القانونية في مجال الحماية الاجتماعية، في أفق إرساء نظام جديد يستوعب المخاطر الوقتية والأزمات الصحية المشابهة لجائحة كورونا كوفيد 19.
* أستاذ جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق