fbpx
افتتاحية

زلة العثماني

رئيس حكومة لا يملك تصورا، أو رؤية، أو إستراتيجية للمستقبل القريب، عليه أن يخجل من نفسه ويقدم استقالته في الحال.
فلا معنى لاستمرار مسؤول كبير، في منصب يتقاضى عنه ملايين الدراهم سنويا، من أموال الشعب، وهو لا يستطيع أن يطمئن أفراده بجملة مفيدة في زمن تفشي وباء فيروسي خطير فرض عليهم الحجر في منازلهم لأكثر من 55 يوما.
ثم لا معنى، أيضا، أن يهدر رئيس الحكومة الزمن التدبيري للدولة في مواجهة جائحة في “التعاويد الخاوي”، الذي مل منه المغاربة على مدى شهرين، وحين يطرح عليه سؤال المستقبل، يتلعثم ويرتبك ويؤكد، في النهاية، أنه لا يملك تصورا، وأن الموضوع قيد الدراسة، وسيعلن عن ذلك في الأيام المقبلة.
كما أنه من العيب أن يعجز “مايسترو” الفريق الحكومي عن وضع المداخل الكبرى للتفكير، ويعلن عن التوجهات الكبرى، ويعطي الخطوط العريضة التي ستوجه عمل الخبراء واللجان المكلفة بالسيناريوهات، لأن ما كان مطلوبا ليس الإدلاء بالتفاصيل والأرقام والمراحل الدقيقة، بل مجرد ملامح عن رؤية، تثبت للمغاربة أن لهم رئيس حكومة يعتمدون عليه وقت الأزمات.
إن ما اقترفه العثماني، مساء أول أمس (الخميس)، أمام 36 مليون مغربي، خطأ جسيم لا يغتفر، ودليل جديد قاطع على أن الرجل يوجد في حالة شرود واضحة، بل إنه لا يملك ناصية المعطيات الدقيقة التي تساعده على تكوين خلفية جيدة للتحليل والاستنباط والاستنتاج، ورسم رؤية واضحة للسياسات القطاعية العمومية، باعتباره المسؤول الأول عنها.
فلأكثر من نصف ساعة، في بث مباشر على القنوات العمومية، مارس العثماني أبشع أنواع التعذيب النفسي على مواطنين “معتقلين” في منازلهم، وكانوا ينتظرون أن يرمي لهم رئيس حكومتهم حبل نجاة، وسط محيط من المخاوف، أو يمنحهم بارقة أمل، ولو صغيرة، لما ينبغي أن تكون عليه المرحلة المقبلة، دون أن يظفروا بـ”قشة” من ذلك للأسف.
فحين يقول رئيس حكومة لملايين المواطنين إنه لا يملك تصورا للمرحلة المقبلة، فهذا معناه أن الرجل يحكم على نفسه أنه زائد عن الحاجة، ووجوده وعدمه سيان، إذ لم يحدث في تاريخ التواصل المؤسساتي أن خرج مسؤول كبير في ندوة صحافية (من اختياره)، دون أن يعرف مسبقا ما سيقوله للناس، أو الرسائل الدقيقة التي سيوجهها لهم، أو الأسلوب الذي سيعتمده في إقناعهم بوجهة نظره، بغض النظر عن صوابها من خطئها.
إن الجزئيات الصغيرة في خرجات إعلامية من هذا النوع في ظروف عصيبة، هي التي تحدد النتيجة في النهاية، فإما أن تكون لك القدرة على إلهام المتلقين (المواطنين) وشد انتباههم، أو تتحول إلى مادة للسخرية والاستهزاء.
لقد فشل العثماني في رهان التواصل في مرحلة دقيقة يمر منها البلد، كما فشل في رهانات أخرى في وقت سابق.
فشل تلو الآخر، يقدم الحجة بأن معطف رئيس الحكومة أكبر من كتفي الرجل، كما يؤكد أن ما يعيشه المغاربة اليوم من أزمات يعود إلى وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب.
بالعربية تاعرابت، العثماني قال للمغاربة “سيرو عومو بحركم. واش فهمتوني؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق