fbpx
ملف الصباح

الطيب العلج… رحيل عراب “تامغرابيت”

فنانون وباحثون يتحدثون عن إسهامات الراحل في تطوير الزجل والمسرح

كان لرحيل الفنان أحمد الطيب العلج، مساء السبت الماضي، وقع خاص وحزينا في نفوس الفنانين والمبدعين المغاربة الذين اعتبروا رحيله خسارة كبرى للفن المغربي، بالنظر
إلى حجم إسهامات الرجل في الحركة الفنية المغربية على أكثر من واجهة. في هذا الملف تحاول “الصباح” ملامسة بعض الجوانب الإبداعية والإنسانية
في شخصية الراحل من خلال شهادات مجموعة ممن عاشروا الفنان أحمد الطيب العلج عن قرب.

السنوسـي: كــادت تجمعــني بالعلــج مشــاريـــع فنيــة لـولا القـدر

الفنان الساخر “بزيز” يتحدث لـ الصباح  عن جوانب التميز في إبداعات الراحل

حتى في حديثه عن الراحل أحمد الطيب العلج، لم تخل نبرة الفنان أحمد السنوسي (بزيز) من السخرية التي تميزه، والتي طالت هذه المرة المهرجان الدولي للسينما بمراكش الذي قال إنه لم يول وفاة شخص من حجم العلج أي اهتمام، مؤكدا أنه لو كان الأمر في دولة أخرى مثل فرنسا ورحل فيها رجل بالقيمة نفسها للطيب العلج بالموازاة مع مهرجان فني ضخم لكان الأمر مختلفا. في هذا الحوار يتحدث الفنان الساخر «بزيز»، الذي لم يتجاوز بعد قيود الحصار المفروض عليه، عن مبدع آخر كان رائدا في فن السخرية التي وظفها في جل أعماله المسرحية

كثيرون يتحدثون عن الراحل أحمد الطيب العلج باعتباره «موليير المغرب» ماذا كان يعني بالنسبة إليك؟
شخصيا أفضل الطيب العلج «ابن المغرب»، والقادم من دروبه الضيقة، المنصت الحاذق للنبض الشعبي، و»النجار» الذي نحت اللغة المغربية واستخرج أصدافها ولآلئها وأبدع فيها زجلا وفصولا مسرحية، عبر إخضاع اللغة وترويضها لكي تتجلى في أسمى صورها البلاغية، حتى لا تظل اللغة المغربية حبيسة تصور بؤسوي لواقع سوداوي، ركيك الدلالات كما ظهر ذلك، مع الأسف الشديد، في المقاربات السطحية للغة الشعبية لدى البعض لدرجة اتهامها بالعقم، وما هي بالعقيمة إلا على أيدي العاجزين عن إخصابها، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تنتج إبداعا أو تستشرف آفاقا للخلق والابتكار، وهذا الأمر يمكن أن ينطبق على اللغة العربية أو اللغة الأمازيغية، ووظيفة المبدع هي القدرة على إعطاء الحياة للغة وهناك تجارب ناجحة في هذا السياق منها أحمد فؤاد نجم وأحمد رامي وصلاح جاهين وغيرهم من المبدعين الذين روضوا اللغة المصرية الشعبية وحولوها إلى درر من الإبداع.

ما هي أوجه تميز الراحل الطيب العلج؟
كان الارتقاء باللغة المغربية أول الرهانات التي رفعها الفنان الراحل أحمد الطيب العلج، إذ أن بصماته واضحة على هذا المستوى وظل أحمد يتمسك برونق لغة الشعب، ويسير على خطوات السلف من شعراء الملحون الذين يتحدر أغلبهم من الشجرة نفسها التي أنتجت العلج، فهم زاوجوا بين الإبداع اليدوي والحرفي وبين إبداع الكلمة الرشيقة والإحساس المرهف، والتمثل الراقي لمجتمع تتجاذبه الكثير من التطلعات الموؤودة في المهد.
وفي هذا السياق انتبه العلج إلى أن المسرح له من القوة والنجاعة التواصلية ما يغيب عن غيره من فنون زمانه، وربما أنه امتلك يقينا لذلك تم التنكيل به رفقة فرقته المسرحية بفاس، بعد إسدال الستار على آخر فصل من أولى أعماله التي تعرض فيها للسخرية وهي مسرحية «مول الشاشية الحمرا» وهو يتحدث فيها عن شخصية تبدل جلدها وتتخذ من تعدد الولاءات منهجا انتهازيا وتتقن ارتداء الأقنعة حسب اتجاه الريح، أو ما يسمى في لغة المسرح ب»الأقنعة المضادة».

وماذا عن خصائص مسرحه؟
كان التدريب المسرحي الذي تلقاه الراحل أحمد الطيب العلج بمسرح معمورة رفقة مجموعة من الفنانين المسرحيين الذي سيصير لهم في ما بعد شأن كبير، إضافة إلى تجربة أخرى بمسرح الأمم بباريس نهاية الخمسينات، فرصة سانحة له لكي ينفتح على تراث مسرحي عالمي بعد أن لمس في سخرية موليير المناهضة للمتسلقين الطبقيين والانتهازيين والأغنياء الجدد ما يطابق قناعاته الثابتة، واقتنع أن الفرجة المسرحية ليست ترفا أو لهوا فارغ المحتوى يزول مفعوله بمجرد إسدال الستار، لذلك تعامل بذكاء مع مسرحية «تارتوف» لموليير وحولها إلى «ولي الله» وهي من أقوى أعمال نجم المسرح الفرنسي في القرن الثامن عشر، لكنها تملك من الراهنية ما يجعل المرء يعتقد أنها لم تكتب إلا في عصرنا هذا مثل كتابات الجاحظ التي سبقت موليير بقرون.

كيف كانت تبدو لك شخصية الراحل من خلال لقاءاتك به؟
في لقاءاتي العديدة مع الراحل أحمد الطيب العلج، الذي كان يشرفني بأنه كان يعتبرني بأنني عضو من أعضاء عائلته الكريمة، ولمستُ في أحاديثه الشجية وبوحه الجميل طمأنينة المبدع الذي لا يعتبر أبدا أن رسالته اكتملت، بل إن شهيته لمزيد من العطاء كانت مفتوحة ورغبته في التعاطي مع جيل جديد من المبدعين المغاربة أكيدة، فكم من مشاريع مشتركة بيني وبينه تداولنا فيها بحماس، وما زلت أحتفظ بمسوداتها وكدنا أن نترجمها إلى واقع ملموس، لولا أن المنية كانت لها الكلمة الفصل، لكن المشعل الذي حمله ما زال متقدا وهاجا والطريق الذي رسمه ستظله أنواره تضيء السبيل لمبدعي اليوم والغد.

أجرى الحوار:
 عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق