fbpx
حوادثمقالات الرأي

ترين: عقود التبرع في الفقه المالكي

إذا مات الواهب لعقار محفظ أو أفلس قبل التسجيل في الرسم العقاري فإن الهبة باطلة (2/2)

بقلم: محمد ترين *

إذ كان الشيء الموهوب عقارا محفظا فالملكية لا تنتقل إلى الموهوب له إلا بالتسجيل في الرسم العقاري قبل حدوث المانع، ولو حازه هذا الأخير حيازة مادية في حياة الواهب. وإذا كان الموهوب عقارا غير محفظ، فلا بد لتمام الهبة من الإشهاد على الحيازة في عقد الهبة، ويمكن لمن فاته التنصيص على هذه الحيازة أن يثبتها بلفيف، كما يجبر الواهب على التحويز كما مر وفي هذا المعنى قال ابن عاصم الغرناطي في تحفته.
وللمعنيين بالحوز تصح*******
وجبره مهما إباه متضح
وتجدر الإشارة إلى أن لجوء الموهوب له إلى القضاء لإجبار الواهب على الحيازة، قبل حدوث المانع لا يتأثر بحدوث هذا المانع بعد رفع الدعوى سواء صدر فيها حكم أم لا، لأن حدوث المانع بعد رفع الدعوى والمطالبة القضائية خير دليل على تمسك الموهوب له بحقه بغض النظر عن مال الحكم.
قال الشيخ محمد عليش عند شرحه لقول خليل “وصح إن قبض ليتروى أو وجد فيه” أي اهتم الموهوب له بجواز الهبة ومنع الواهب منه متى مات.
قال ابن قاسم “لا تبطل الهبة بموته تنزيلا للجد في الحوز منزلته” وقال الخرشي في معرض شرحه لقول الشيخ خيل المذكور سابقا “إن الموهوب له إذا جد في قبض الهبة والواهب بمنعه من ذلك وحتى مات الواهب فان الهبة ماضية وذلك حوز على المشهور”.
علاقة التبرعات بنظام الرسم العقاري
إن موضوع الدراسة في هذا القسم يقتضي تناوله بالتعريف ابتداء بالتحفيظ العقاري في الفصل الأول ثم الانتهاء بالآثار المترتبة عن مسطرة التحفيظ في الفصل الثاني.
ماهية مسطرة التحفيظ العقاري
إن التحفيظ العقاري هو عبارة عن عملية إدارية غايتها إعطاء هوية مضبوطة لعقار معين، شاملة لوضعه موقعا ومساحة وحدودا وملكا، إضافة إلى أصحاب الحقوق العالقة بالعقار المذكور، وكذا الارتفاقات السلبية والايجابية، أي بمثابة الحالة المدنية للأشخاص إن صحت المقارنة، وذلك بعد المرور بعدة مراحل إدارية معقدة من مسح وقياس وإشهار مع فتح باب التعرضات التي بسببها يحال ملف التحفيظ على المحكمة (الفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري)، ثم تنطلق المرحلة القضائية ابتدائيا واستئنافيا ونقضا وبعد ذلك يرد الملف إلى المحافظ، الذي يعمل على إنشاء رسم عقاري للعقار بشأنه مسطرة التحفيظ، ويعطيه دفترا خاصا به يسمى بالدفتر العقاري، يتضمن جميع المعلومات الخاصة بالعقار ومالكه أو مالكيه وكذا أصحاب الحقوق المتعلقة به، مع استبعاد كل الحقوق المدعى بها قبل إنشاء الرسم العقاري (الفقرة الثانية من الفصل الأول من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بالقانون 14.07).
الآثار المترتبة عن مسطرة التحفيظ العقاري
انطلاقا من الفصلين 77-66 من ظهير التحفيظ العقاري، كما وقع تعديلهما وتتميمهما، وكذلك المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية، فإن الحقوق المسجلة بالرسم العقاري هي المعتبرة إلى أن يتم التشطيب عليهما وأنها حجة ضد الكافة، ويعتبر من سجل فيها هو صاحب الحق، مادام أن اسمه مسجل بالرسم العقاري، وفي هذا المعنى يقول الدكتور محمد المهدي الجم في الصحيفة 101 من كتابه “التحفيظ العقاري بالمغرب”: “إن إشهار الحق بالتسجيل في الرسم العقاري، هو قرينة قانونية من نوع خاص منبثقة عن التسجيل، ومرتبطة بوجوده تدل على أن حقيقة الحق هي كما جاء في التسجيل، ومن ليس مسجلا باسمه ليس له، فمن انتقل إليه هذا الحق فقد اكتسبه نهائيا”، وهو التوجه نفسه الذي قال به المجلس الأعلى في العديد من قراراته، ومنها القرار عدد 397 وتاريخ 2001/4/11 في الملف العقاري عدد 1998/1/2/441 غير منشور: “عدم تسجيل الهبة في الرسم العقاري في حياة الواهبة يجعلها مفتقرة للحيازة القانونية وباطلة” وإذا رجعنا إلى تعريف الهبة في الفقه الإسلامي يتبين بأنها تمليك يبرم بالقول، ويتم بالقبض أي بالحيازة وأن التسجيل في الرسم العقاري يجعل الحيازة قانونية أقوى من الحيازة المادية كما تقدم.
حيث إنه إذا مات الواهب لعقار محفظ أو أفلس قبل التسجيل في الرسم العقاري، فإن الهبة باطلة ولو ثبتت الحيازة المادية بشهادة عدلين أو لفيف أن الموهوب له قد حاز الشيء الموهوب قبل حصول المانع. ولذلك يقول محمد بن معجوز في الصحيفة 343 من كتابه “الحقوق العينية للفقه الإسلامي والتقنين المغربي” “إن الحيازة في العقار المحفظ لا تثبت إلا بتسجيل التبرع في الرسم العقاري قبل حدوث المانع بحيث إذا مات المتبرع قبل التسجيل أو أفلس، فإن التبرع يبطل ولو ثبت بشهادة عدلين أو لفيف أن المتبرع عليه قد حاز المتبرع به قبل حصول المانع، وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصلين 67-66 من ظهير 1913/08/12” والقول نفسه أكده المجلس الأعلى، الذي يرى في العديد من قراراته بأن تسجيل التبرع في الرسم العقاري يكفي في اعتبار أن المتربع عليه قد حاز المتبرع به، ولم يتم إشهاد العدلين على الحيازة، قبل حصول المانع للمتبرع من موت أو إفلاسه الشيء الذي يؤول إلى أن الحيازة القانونية أي تسجيل التبرع تغني عن الحيازة الفعلية.
وأخيرا نختم هذه الدراسة بالقول إن تسجيل عقد الهبة في الرسم العقاري للعقار الموهوب باسم الموهوب له كمالك يغني عن الإشارة في رسم الهبة إلى معاينة الشاهدين لهذه الحيازة مادامت الغاية من معاينة الحيازة هي سد الذريعة. ولذلك قال الإمام المالك نقلا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه “ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فان مات أحدهم قال مالي بيدي لم أعطه أحدا، وإن مات ابنه قال هو لابني قد أعطيت إياه، فمن نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها، وأبقاها حتى تكون إن مات، فهي لورثته فهي باطلة”.
ونخلص مما تقدم بأن الشريعة الإسلامية هي نبراس لكل زمان ومكان صالح لحماية الملكية العقارية وأن قانون التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية جاءت لتكريس هذه الحماية.
* أستاذ باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى