fbpx
حوادث

الحريات الفردية مطلقة أم مقيدة؟

العقاب لكل مسؤول تمرد واستعجل الإثراء غير المشروع (2/2)

بقلم: الحـطاب أبـومـسلـم*

الغريب في الأمر أننا – ومع ضآلة العقوبة المقررة لعدم التصريح بالممتلكات والتي لا تتجاوز 15.000 درهم – لم نسمع أي مسطرة حركت لتطبيق هذه العقوبة، ولعل (رمزيتها) قد أوحت بالاكتفاء بالتمثل بالمثل القائل “بلاها خير من بلاها”، إذ أنها لا تغطي حتى مصاريف المواد التي تستهلك في إجراءاتها المسطرية، فضلا عن ضياع الوقت الذي يمكن صرفه وقضاؤه في قضايا تكتسي صبغة جدية، تجنبا لإطالة أمد البت فيها وإراحة للمتقاضين من متاعب الانتظار “العدل البطيء نوع من الظلم”. فالعقاب ثم العقاب لكل مسؤول تمرد، واستعجل الإثراء غير المشروع بأي وسيلة أو سبب. وليعلم أنه إذا استطاع الإفلات منه أمام الخلق، فإنه لا يستطيعه أمام الخالق سبحانه وتعالى الذي يعلم (السر وأخفى).
ثانيا – الفصل 449 (ومايليه):
ينص هذا الفصل على أن “من أجهض أو حاول إجهاض امرأة أو يظن أنها كذلك برضاها أو بدونه، سواء كان بواسطة طعام أو شراب أو عقاقير أو تحايل أو عنف أو أية وسيلة أخرى، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم.
وإذا نتج عن ذلك موتها، فعقوبته السجن من عشر إلى عشرين سنة”، وينص الفصل 450 بعده على أنه “إذا ثبت أن مرتكب الجريمة يمارس الأفعال المشار إليها في الفصل السابق بصفة معتادة ترفع عقوبة الحبس إلى الضعف في الحالة المشار إليها في الفقرة الأولى، وتكون عقوبة السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة في الحالة المشار إليها في الفقرة الثانية……”.
وإذا كان المشرع لم يعرف الإجهاض، على خلاف ما فعل في الفساد الجنسي الآتي بعده، فإن الفقه الجنائي قد تكفل بتعريفه بأنه “إخراج الجنين من رحم المرأة قبل الموعد الطبيعي لولادته”.
ويلاحظ على هذا التعريف أنه لم يشر إلى المحاولة المستحيلة، استحالة مادية، التي يسري عليها في التشريع الجنائي المغربي حكم الجريمة التامة طبقا للفصل 117. كما يلاحظ على الفصل 453 ما يلي:
أنه اهتم بالمحافظة على صحة الأم وسلامتها في الأحوال العادية، ولم يهتم بالجنين إذا ثبت أنه سيولد مشوها، وبالحالات الشاذة وغير المألوفة، كالحمل الناشئ عن زنا المحارم، أو عن اغتصاب المعوقات.
أنه، وحسبما يظهر من صيغته، يتعلق فقط بالنساء المتزوجات، لا بالنساء المطلقات أو من يطلق عليهن “الأمهات العازبات” حينما يحملن من الزنا ويردن التخلص من أحمالهن بالإجهاض. ذلك لأنه قال في الفقرة الثالثة منه: “وعند عدم وجود الزوج أو إذا امتنع الزوج عن إعطاء موافقته….”، فالزوج ذكر معرفا بتحليته بأل. ومن المقرر عند علماء اللغة العربية –التي هي اللغة التي كتب بها النص محل المناقشة – أن الاسم إذا ذكر معرفا، ثم كرر معرفا، فهو هو، أي الاسم الأول نفسه، وإذا كرر منكرا فهو غيره. وعليه، فإن نفي العقاب على الإجهاض لا يسري على النساء اللواتي لا أزواج لهن، ولهذا – وحسب رأينا – ينبغي للمشرع – والفرصة سانحة – أن يقول: “وعند عدم وجود زوج نكرة لنفي العقاب عليهن في الأحوال المبينة أعلاه”.
إنه اقتصر على نفي العقاب عن جريمة الإجهاض، وهذا يعني أن الجريمة ثابتة، وأن مرتكبها يظل خاضعا للإجراءات المسطرية التي تطبق على غيره من المتهمين إلى أن تصرح المحكمة بنفي عقابه. ودون توضيح طبيعة هذا النفي، هل هو نوع خاص من أنواع الإعفاء من العقوبة؟ أو هو في حقيقته فعل مبرر بترخيص من القانون؟، ولذا ينبغي الحفاظ على المصطلحات وعدم تنويعها بدون فائدة.
ثالثا – الفصل 490:
ينص هذا الفصل على أن “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالسجن من شهر واحد إلى سنة”. ويأتي تجريم هاته العلاقة في سياق حماية الأخلاق الحميدة، والآداب العامة التي توارثها الآباء عن الأجداد خلفا عن سلف، والتمسك بالثوابت التي لا يمكن الاستغناء عنها أو التفريط فيها، أو السماح بالخوض فيها.
بيد أن هناك أصواتا تعالت وتنادت خلال تدارس تعديل القانون الجنائي (الحالي) أو المرتقب، تدعو إلى رفع التجريم عن تلك العلاقة، متى تمت برضى الطرفين، الأمر الذي تسبب في “أزمة حكومية تلوح في الأفق” – حسبما تناقلته بعض الجرائد – بدعوى ممارسة الحريات الفردية التي تخول لصاحبها أن يفعل بنفسه ما يشاء.
ويعلل دعاة رفع التجريم توجههم باعتقال المئات من المواطنين في فضاءات عمومية بالحدائق والشواطئ، بتهمة الوقوف في أماكن عمومية، مما تسبب في إحراج كبير للمغرب من خلال ما وردته سائحة أجنبية لوسائل إعلام بلدها. غير أن هذه التعليلات لا تبرر إطلاقا رفع التجريم عن العلاقة الجنسية الرضائية المكونة لجريمة الفساد، إذ أن مجرد وجود رجل وامرأة في مكان عمومي جنبا إلى جنب، يتبادلان أطراف الحديث، أو في سيارة شخصية متوقفة أو متحركة للتنقل من مكان إلى آخر، لا يعد جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي إلا إذا كان ذلك مقرونا بفعل مخل بالحياء المنصوص عليه في الفصل 483، ولذلك فمن المستبعد أن يقع الاعتقال في هذه الحالات، كما أن رواية السائحة الأجنبية لوسائل إعلام بلدها عن اعتقالها بسبب علاقتها بمغربي بمراكش، من شأنه الرفع من سمعة المغرب كدولة تحرص على تطبيق قانون بلدها. أو لم ينص الفصل 10 من القانون الجنائي على أن التشريع الجنائي يسري على كل من يوجد بأقاليم المملكة من وطنيين وأجانب، تطبيقا لمبدأ ” إقليمية النص الجنائي”؟”.
ومما لا نقاش فيه أن المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة. وأنها تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة تتمثل في الدين الإسلامي السمح، حسبما جاء في تصدير الدستور وفي الفصل الأول منه، وأن الدين الإسلامي يحرم الزنا بجميع أشكاله، وينهى عنه بنص صريح وواضح (و لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا)، وأن مما توارثه الشعب المغربي المسلم، الأخلاق الحميدة والآداب العامة التي أصبحت بالنسبة إليه من المكتسبات المحصنة بالدستور من جهة، وبما أجمع عليه أهل الملل والنحل من الحفاظ على مقاصد الشريعة، وهي المقاصد الأساسية التي لا بد منها لكي يقوم نظام الحياة وصلاح الناس والمعروفة بالمقاصد الضرورية، أو الكليات الخمس وهي: حفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ العرض، وحفظ المال، من جهة أخرى.
وتأكيدا لتحصين هذه المقاصد الأساسية، التي لا يمكن العيش بدونها في أي زمان ومكان، نص الفصل 175 من الدستور على أنه لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة…… وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وقد نص الدستور على أن المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، وأنها تستند في حياتها العامة على ثوابت جامعة تتمثل في الدين الإسلامي السمح، كما سبق بيانه آنفا.
ثم إن دعاة رفع التجريم عن العلاقة الجنسية الرضائية – إذا بقوا مصرين على موقفهم – (لا قدر الله) عليهم أن يجيبوا عن التساؤلات الآتية:
ألا يدركون أن رفع التجريم عن هذه العلاقة يعيد الإنسان إلى العيش والتعايش في عالم الحيوانات العجماء، التي لا تميز بين الممنوع والمباح؟
والخلاصة أن المسؤول المغربي ليس حرا في اكتساب المال بأي طريقة كانت، وأن الإنسان المغربي ليس حرا في التصرف في نفسه وعرضه، مصداقا لمقولة الحكماء: “الحرية المطلقة مفسدة مطلقة”، ولنتمسك بثوابتنا وبمقدساتنا، التي لا يمكن التراجع عنها، لنعيش في أمن وأمان، وطمأنينة واستقرار.
* دكــتـــــــور فــــــي الحـــقـــــــوق
الإجـــازة العــلـيـــا فـي الشـريــعـة
رئيس غرفة سابق لمحكمة النقض
قاض شرفي من الدرجة الاستثنائية
محــــام بـهـيــأة البـيـضــاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى