fbpx
اذاعة وتلفزيون

“آدم”… شعرية التفاصيل والألم

فيلم مريم التوزاني يستعيد معاناة الأمهات العازبات

رغم أن التيمة الأساسية لفيلم “آدم” للمخرجة مريم التوزاني، كانت تسليط الضوء على جانب من معاناة الأمهات العازبات، وعادة ما يجرف الاعتناء بالمواضيع الكبرى السينما نحو المعالجة الفوقية، إلا أن العناية بالتفاصيل والأشياء الصغيرة منحت العمل توازنا استحق معه الضجة الإيجابية المثارة حوله.
تنطلق مطاردة التفاصيل منذ المشهد الأول للفيلم، الذي بــدأ عرضــه في القاعات الوطنية، حين تركز الكاميرا لقطات مقربة من ملامح “سامية”، بطلة الفيلم التي تجسدها الممثلة نسرين الراضي، وهي تحاول أن تعكس التمزق والضياع الداخليين، أن تعثر لنفسها وللجنين الذي تحمله في أحشائها على محل رزق أو مبيت يؤويها من التشرد والتيه.
تتعقب الكاميرا “سامية” وهي تجوب أزقة مدينة عتيقة، وتنقل معها جزءا من تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة داخل متاهات المدن العتيقة، بالصورة، ثم الصوت من خلال الحرص على التقاط ضجة الأصوات والمشاهد التي تحبل بها هذه الفضاءات.
كمــا تنعكس على محيا “سامية” علامات الحيرة واليأس والتشـــدد والضياع، بعد جولة غير مجدية في البحث عن فرصــة عمــل، لتصطدم بأجوبة صادمة، ممزوجة بنظرات شــك وريبة وهي تتطلع إلى بطنها المنتفـــخ تحمـــل اتهاما مسبقا بسوء النية والطوية حول مصدر الحمل، وإعلانا لمسلسل نبذ وإقصاء لا ينتهي في حق هذه الفتاة.
تضع الأحداث “سامية” في مواجهة “عبلة”، التي تجسد دورها لبنى أزابال الممثلة البلجيكيـــة من أصل مغربي، التي تمتهن بيع الفطائــر فــي محل صغيــر تابع لبيتها، والتي ترفض منذ الوهلة الأولى بملامحها القاسية والغموض الذي يلف شخصيتها، استقبال “سامية” أو منحها الفرصة لكي تطلب منها العمل أو المــأوى، لتنــزوي “الأم العازبة” في ركن بالزقـــاق مقررة قضاء الليل هناك، قبل أن تتراجع “عبلة” عن قرارها وتسمح لها بإقامة مؤقتة بعبارات حازمة، لا تتيح للطرف الآخر فرصة مناقشتها أو جرها لحديث إضافي من شأنه أن يدفعها إلى تغيير رأيها.
تحاول “سامية” أن تستدر عطف مضيفتها علها تظفر بفرصة عمل وإقامة معها، خاصة أنها تقيم رفقة طفلتها التي أبدت تعاطفا واضحا مع ضيفتهما، وتنجح بعد لأي في أن تضمن لها مكانا داخل المحل إذ تساعد “عبلة” في عجن الفطائر وبيعها للزبائن.
في المقابل تختزل “عبلة” خلف ملامحها الدقيقة والحازمة، شخصية غامضة تحمل في داخلها جروحا وندوبا من الماضي، بعد أن فارق زوجها الحياة إثر حادثة سير، تاركا إياها في مواجهة مصيرها، وهو ما حاولت المخرجة عكسه من خلال غياب الرجل في الفيلم، باستثناء حضور عرضي لعزيز الحطاب، إذ المرأة هنا لا تعول إلا على نفسها، كما أن الفتاة الأخرى التي لجأت إليها بدورها لا رجل يعينها، بل الرجل هو سبب مأساتها ومعاناتها.
تتوالى الأحداث لتنقل الشخصيات في أوضاع مناقضة لما بدأت عليه، ف”سامية” التي كانت بالكاد تطلب مكانا لتبيت فيه، تحاول تخليص “عبلة” من عقد دفينة تسكنها، وتحاول أن تصالحها مع ماضيها وذكرياتها، وأيضا مع جسدها، كما يتبدى ذلك في مشهد تتخلص فيه “عبلة” من تحفظها الزائد، بل وتتخلص من ملابسها وهي تتأمل تفاصيل جسدها أمام المرآة قبل أن تنزوي على السرير في مشهد يعكس الحيرة والتخبط اللذين تعيشهما، وأيضا ثقل وطأة الذكريات الأليمة عليها.
أما “سامية” فتدخل في متاهة أخرى بعد أن تضع وليدها الذي تريد أن تتخلص منه بمنحه عائلة تحتضنه وتجنبه مرارة العيش مع “أم عازبة” كما تتصور هي، وكما تصور بعض المشاهد التي نقلها الفيلم عن قساوة الأحكام وسوء التعامل اللذين تجابه بهما الفتيات في مثل وضعها، في الوقت الذي تحاول عبلة أن تقنعها بالإبقاء عليه وتربيته.

صرخة “آدم”
من أقــــوى مشاهــد الفيلم اللقطات التي تجمع “سامية” برضيعها “آدم” الذي ترفـــض فـــي البدايـــة إرضاعه، قبل أن تتنازعها مشاعر متناقضــة عكستها الدموع الصامتة التي كانت تذرفهـــا، في الوقت الذي يتعالــى صراخ الرضيــع، كأنــه صراخ موجــه إلى المشاهد والمجتمع، قبــل أن تمتــد ذارعا أمــه وهي تحاول أن تضع حدا لحياته، قبل أن تتراجع في آخر لحظــة، مانحة إيــاها فرصة الحق في الحياة، لتغادر به نحو المجهول.
فيلم “آدم” رغم مقاربته لموضوع سبق تناوله في السينما المغربية، إلا أنه استطاع التخلص من لغة الوعظ والإرشاد وتوجيه الرسائل المباشرة، بلمسة جمالية، لم يعكر صفوها سوى ضعف اشتغال طاقم الفيلم مع الممثلة أزابال لتقويم نطقها السليم للدارجة المغربية التي يبدو أنها استعصت عليها.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى