منبر

العرف والإسلام … تعايش وإقصاء

المسلمون يحاربون عادات وتقاليد الشعوب التي لا توافق تعاليم الدين ويعتبرون السردية المحمدية بداية الحضارة

تعامل الدين الإسلامي مع عادات وتقاليد الشعوب، بمقاربة انتقائية، بعضها ثمنها وأولاها قيمة أكبر، فيما بعض العادات التي تتعارض مع الخطوط الكبرى للإسلام، جعلها في قائمة الوثنيات والجاهلية، وأمر المسلمين بالقطع معها وتجنبها، وزادت حدة هذه القطيعة والانتقائية مع مرور العقود والقرون، إذ أصبح المسلمون متشددين في ما يتعلق بالعادات والتقاليد القديمة، ويعتبرونها من إرث الجاهلية، وما قبل الحضارة، وأن أي شخص تشبث بهذه الأعراف والعادات، يعزل ويعتبره المسلمون شخصا وثنيا، وكافرا في بعض الأحيان.
ولعل الجدل الذي تفجر عقب التدوينة المغرقة في التحقير والتنقيص، التي كتبها الشيخ السلفي الكتاني، تبرز بوضوح هذه المقاربة الانتقائية سالفة الذكر، إذ اعتبر الشيخ المعتقل السابق بتهمة الإرهاب، أنه لا يجوز الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، “لأنه تقرر عند علماء المسلمين قاطبة تحريم الاحتفال بأعياد الجاهلية قبل الإسلام، عربية كانت أو فارسية، أو بربرية، أو غيرها فإن الإسلام قد نسخ ذلك كله”، وهو ما يبرز إلى أي درجة لا تتسامح فئة من المسلمين، خاصة التيار السلفي، مع عادات وتقاليد الشعوب، واعتبارها تدنيسا للعقيدة، وحيادا عن طريق الإسلام.
الكتاني لم يقف عند هذا الحد، بل وصف بعض الشخصيات التاريخية، بأوصاف قدحية، تنم عن انتقاص وحقد كبيرين، على كل ما هو غير إسلامي، وهي رخصة لأتباعه بتحقير الثقافة والحضارة، التي سبقت الإسلام، إذ تحدث عن الشخصيات، التي يقدسها تاريخ الأمازيغ، بالقول “ملك جاهلي خرافي يدعى شيشنق، انتصر على فرعون جاهلي آخر في معركة وهمية لا دليل عليها، في أي مصدر موثق حدثت هذه الأحداث؟، أم المطلوب فقط هو تقسيم وتشتيت المسلمين شعوبا متناحرة، ليسهل للمستكبرين قيادتهم، ونهب خيراتهم”.
ولم يستثن الشيخ السلفي، باقي الأديان الأخرى، التي سبقت الإسلام، وقال بضرورة تجاهلها وعدم الاهتمام بها، إذ قال “وإذا كانت أعياد أهل الكتاب الواردة في التوراة والإنجيل كالفصح وغيره، لا يجوز الاحتفال بها مع أنها ترمز لمعان شرعية، فكيف يجوز الاحتفال بعظماء المشركين ورؤوس الجاهليين قبل الإسلام؟ هذا لا يقول به مسلم يفقه دينه”.
ولا عجب أن تصدر هذه التصريحات عن شيخ سلفي، معروف بنزوعه إلى العنف والتحقير، وقد أدين قبل سنوات بهذه التهم، وقضى أعواما كثيرة داخل السجون بسبب هذه الأفكار، لأنه يعتبر أن الحضارة والثقافة والحداثة وغيرها من الأفكار النيرة، مرتبطة بالإسلام وأن كل ما دون ذلك، لا يعدو أن يكون سوى ممارسات وثنية جاهلية، والإشكال أن البلدان الإسلامية قاطبة، ترعى الكثير من أشباه الكتاني، وهو ما يسائل نواياها في محاربة التطرف، إذ كيف لشخص يزرع العداء بين أبناء الشعب الواحد، ويريد أن يجعل منهم نسخة طبق الأصل لبعضهم البعض، دون الاعتراف بقيم الاختلاف والتمايز، التي تطبع جل الشعوب، متجاهلا أن الغنى الحضاري يكمن في هذه المكونات كلها، التي من الواجب احترام ثقافة كل واحد، والاعتراف بها في إطار مجتمع متسامح وسمح، يستوعب الجميع ولا يقيم المفاضلات بينهم.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق