fbpx
حوادث

فتوخ: الغرفة الجنائية لمحكمة النقض وحماية الحقوق والحريات

العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج تعتبر في حد ذاتها فعلا مجرما قانونا (3/3)

بقلم: د. حسن فتوخ *

وفي السياق نفسه، قررت المحكمة ذاتها، بخصوص تاريخ انطلاق أجل التقادم في جرائم التزوير، أن جريمة التزوير تعتبر من الجرائم الفورية وأن أمد تقادم الدعوى العمومية بشأنها يبتدئ من تاريخ ارتكابها بصريح المادة 5 من قانون المسطرة الجنائية التي عبرت عنها: “بيوم ارتكاب الجناية أو الجنحة أو المخالفة”، وهو ما يتماشى مع رغبة المشرع في سن نظام موحد للتقادم إذ لو ترك بداية احتسابه لعلم المتضرر من الجريمة ما تحققت الغاية التي توخاها .
8 – وبالمقاربة الحمائية نفسها، اعتبرت محكمة النقض أنه من المقرر أن التزوير يقع في أصل المحررات كما يقع في نسخها وفي الصور الشمسية لها، ولا يوجد في التشريع الجنائي ما يقصر هذه الجريمة على أصول الوثائق دون صورها الشمسية متى وقعت بإحدى الوسائل المنصوص عليها قانونا، وكان الهدف منها تغيير الحقيقة بسوء نية وإضرارا بالحق العام، والمحكمة لما قضت بإدانة المطلوب من أجل جنحة صنع عن علم شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها طبقا للفصل 366 من (ق.ج) بعد إعادة التكييف من جناية المشاركة في تزوير محرر رسمي والمشاركة في استعماله وبراءة باقي المتهمين بعلة إنكارهم وعدم توفر أركان التزوير، والحال أن الأمر يتعلق بتغيير الحقيقة في محرر أعطي الشكل المعتاد في المحررات الرسمية، تكون قد عللت قرارها تعليلا فاسدا ينزل منزلة انعدام التعليل .
9 – وبخصوص جنحة الإمساك عمدا عن تنفيذ حكم بالنفقة قررت محكمة النقض أن مستحقات الزوجة المتجلية في كالئ الصداق وأجرة الحضانة وتوسعة الأعياد والمتعة تعتبر من مشمولات النفقة، معللة هذا التوجه بأنه من المقرر أن الفصل 480 من القانون الجنائي يعاقب عن الامتناع عن أداء النفقة بصفة عامة، والمحكمة لما أيدت الحكم الابتدائي القاضي ببراءة طالب النقض من جنحة الإمساك عمدا عن أداء النفقة المحكوم بها، معللة ذلك بأن مستحقات الزوجة المتجلية في كالئ الصداق وأجرة الحضانة وتوسعة الأعياد والمتعة، لا تصنف ضمن مشمولات النفقة المنصوص عليها في الفصل 480 أعلاه، يكون قرارها مشوبا بعيب فساد التعليل .
10 – وارتباطا بإخراج الزوج لزوجته من بيت الزوجية ومدى خضوعه لمقتضيات مدونة الأسرة أم للفصل 570 من القانون الجنائي، اعتبرت محكمة النقض أن المساكنة الشرعية بين الزوجين تعتبر من أهم الحقوق والواجبات المترتبة عن عقد الزواج، بما تستوجبه من معاشرة زوجية بالمعروف، ويفرض عليهما الإقامة معا، وبالتالي تكون الحيازة المادية لبيت الزوجية قائمة لكليهما طالما استمرت العلاقة الزوجية بينهما، وبذلك فإن إخراج الزوج لزوجته من بيت الزوجية إنما يشكل إخلالا بواجب المساكنة الشرعية وتطبق عليه بالتالي، مقتضيات مدونة الأسرة التي تتضمن أحكاما خاصة تحمي كيان الأسرة واستقرارها، الأمر الذي يجعل القضية تكتسي صبغة مدنية ولا تخضع لمقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي .
11 – وبالنسبة لقضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال غير المميزين وانتهاك براءتهم والتي تتسم بصعوبة إثباتها وإثبات ظروفها المشددة، أسست محكمة النقض لموقف قضائي هام حسمت من خلاله النقاش القضائي المثار حولها، معتبرة هذا الفعل جناية وليس جنحة لأن ظرف العنف يكون مفترضا وثابتا مهما كانت الظروف في جرائم هتك عرض القاصرين غير المميزين الذين لا يمكن أن ينسب إليهم أي رضى أو قبول.
12 – وتكريسا للمقاربة الزجرية لحماية الحق في الصحة قررت محكمة النقض أن جنحة الإمساك عمدا عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر يجب مناقشة عناصرها التكوينية من خلال تخصص الطبيب المداوم، معتبرة في حيثيات أحد قراراتها أن المحكمة لئن كانت قد بررت قضاءها ببراءة المطلوب في النقض من جنحة التسبب عن إهمال في القتل غير العمدي، بعلة أنه لم يكن حاضرا بالمستشفى، ولم يقم بأي تدخل طبي بخصوص الضحية حتى يمكن أن ينسب إليه أي إهمال في ما قام به من تدخل، فإنها لما اعتبرت جريمة الفصل 431 من (ق.ج) غير قائمة في حقه لأنه طبيب غير مختص في التوليد ولانعدام الخطر ما دام الأمر يتعلق بامرأة في حالة مخاض من أجل الوضع، دون أن تناقش عناصر هذه الجريمة انطلاقا من أن مهنة المعني بالأمر طبيبا ومتخصصا في الجراحة العامة، والقائم بأشغال المداومة وقت الأحداث، تفرض عليه التدخل لتقديم المساعدة للمريضة مهما كانت طبيعة ونوع الخطر الحاصل لها، يكون قرارها مشوبا بنقصان وفساد التعليل .
13 – وتفعيلا للدور الرقابي لمحكمة النقض على تعليل أحكام محاكم الموضوع، وارتباطا بالمرض العقلي وأثره على المسؤولية عن الفعل الجرمي المقترف، اعتبرت محكمة النقض في إحدى النوازل، أن المحكمة عندما انتهت من خلال مناقشتها لتقرير الخبرة الطبية الذي خلص إلى أن الطاعن يعاني بسبب مرض نفسي لا يعدمه المسؤولية، والحال أن التقرير المذكور يجزم في أنه مصاب بمرض عقلي يسمى (بارانويا كريتشمير)، وأن هذا المرض جعله وقت ارتكابه للأفعال عديم المسؤولية، تكون حرفت مستندا منتجا في الدعوى وحاسما فيها. كما أن المحكمة عندما استبعدت نتيجة الخبرة الطبية المذكورة تأسيسا على معاينتها للحالة الظاهرية للطاعن من خلال جوابه عن أسئلتها بكل تلقائية، من غير أن تستند في ذلك إلى خبرة طبية مثلها أو أقوى منها ومن غير أن تجيب عما طلبه الأطراف في هذا الشأن من احتكام لخبرة طبية ثلاثية تحسم في المسألة، تكون بنت قرارها بهذا الخصوص على تعليل فاسد .
14 – وحفاظا على النظام العام الأسري، ولمواجهة بعض الظواهر السلبية الدخيلة على مؤسسة الزواج، كرست محكمة النقض في أحد قراراتها أن أن الأساس القانوني الذي تستمد منه كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة شرعيتها هو قيام عقد زواج أو ما يقوم مقامه بمفهوم قانون مدونة الأسرة، باعتباره قانونا خاصا، وأن إنجاب الأطفال أو مدة الارتباط والتعايش بين الذكر والأنثى بدون ثبوت هذا الأساس، يجعل العلاقة خاضعة لمقتضيات الفصل 490 من القانون الجنائي، والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما أيدت الحكم الابتدائي في ما قضى به من براءة المطلوبين في النقض بعلة طول مدة العشرة وإنجاب الأطفال، دون البحث عن السند الشرعي لهذه العلاقة، جاء قرارها ناقص التعليل الموازي لانعدامه .
15 – وتكريسا منها للطابع الخاص للقصد الجنائي في الخيانة الزوجية وعدم خضوع فعل المشاركة للقواعد المنصوص عليها في الفصل 129 من القانون الجنائي، اعتبرت محكمة النقض أنه إذا كان المتفق عليه فقها وقضاء أن الجرائم العمدية تستلزم فعلا لتحققها توفر القصد الجنائي العام، فإنه في جريمة الخيانة الزوجية يكتسي هذا القصد طابعا خاصا، ذلك أن العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج تعتبر في حد ذاتها عملا غير مشروع وفعلا مجرما قانونا. إن فعل المشاركة في جريمة الخيانة الزوجية منصوص عليه بشكل خاص في المادة 492 من القانون الجنائي وهو يخرج عن قواعد المشاركة المنصوص عليها في المادة 129 من القانون الجنائي في ما يخص توقيت ارتكاب الفعل، ذلك أنه إذا كان أحد الطرفين متزوجا ومارس الجنس مع الطرف الآخر غير المتزوج، فإن فعل هذا الأخير المتمثل في الممارسة الجنسية أي ارتكاب جزء من الفعل المادي للجريمة بشكل متزامن مع ارتكاب الفعل من قبل الطرف الآخر يعتبر مشاركا في رأي المشرع المغربي.

* رئيس مكتب الودادية الحسنية للقضاة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى