ربورتاج

البونانـي فـي ميلانـو

آباء مغاربة يحرمون الاحتفالات وعاهرات يحصلن على عائدات استثنائية

احتفالات الإيطاليين بأعياد الميلاد في 24 دجنبر من كل سنة لا تختلف كثيرا عن باقي دول أوربا، اللهم بعض الاستثناءات التي يحدثها بعض المهاجرين المغاربة، خاصة من الجيل الأول، الذين ما زالوا يعتبرونها “حراما” ويدخلون في نزاعات مع أبنائهم قد تصل إلى الشرطة، واللمسة التي تضفيها بعض ممتهنات الدعارة اللواتي يستثمرن في أجسادهن، أملا في الحصول على مداخيل استثنائية…

كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف عصرا من الاثنين الماضي، حينما حطت طائرة الرحلة الرابطة بين مطار محمد الخامس و”مالبزا” بميلانو الإيطالية، بعد ثلاث ساعات من الطيران. بعض المسافرين بدؤوا في التصفيق تشجيعا لقائد الطائرة وتعبيرا عن الارتياح، فيما تبادل بعض السياح النظرات، تعبيرا عن عدم فهم سبب التصفيق الجماعي.
مضيفة الطيران طلبت من الجميع التزام أماكنهم إلى حين التوقف التام للطائرة، كما أخبرتهم أن الجو بالخارج مشمس، على غير عادة المدينة في عز فصل الشتاء، وبأن درجة الحرارة المسجلة تقارب 14 درجة.
الحركة داخل المطار، تستقبلك بعض اللوحات الإشهارية الخاصة بالماركات المعروفة في مدينة الموضة العالمية. رجال شرطة مبتسمون، أغلبهم من الشباب، يتفحصون جواز سفرك وتأشيرتك أو وثائق إقامتك في ثوان، ثم يودعونك بكلمات الترحيب وقضاء وقت جميل واحتفالات سعيدة بأعياد الميلاد.
يبعد المطار عن وسط المدينة بحوالي ساعة إلا ربعا عبر حافلة تمتطيها مقابل 10 أوروات (110 دراهم)، أغلب المسافة تقطع عبر الطريق السيار، قبل أن تدلف الحافلة نحو المدينة، التي بدت مثل عروس تجملت لمحبوبها في ليلة زفافها .
كلما تقدمت الحافلة نحو وسط المدينة، كلما بدت الأخيرة أكثر بهجة واحتفالا، المحلات التجارية مزينة بالأضواء وأشجار أعياد الميلاد، وواجهات فنادق وملاه ليلية وضعت عليها إعلانات الاحتفال بليلة “البوناني” (ليلة الثلاثاء 24 دجنبر)، وحتى منازل مواطنين وضعت على واجهاتها دمى “بابا نويل”، وزينت بأضواء حمراء وزرقاء…
حركة غير عادية تعرفها المحلات التجارية والأسواق الممتازة، الكل يتسابق من أجل اقتناء هدية لقريب أو صديق عزيز، أو شراء بعض قنينات الخمر للاحتفال مع الأسرة والأصدقاء.

مغاربة محطة القطار

بعد ساعة إلا ربعا وصلت الحافلة إلى محطة القطار الرئيسية في المدينة، بمجرد النزول تسمع أصواتا، أغلبها عربية، لأصحاب طاكسيات أو عاملين معهم، يقترب منك أحدهم ويسألك عما إذا كنت تحتاج إلى سيارة أجرة صغيرة، ولا يتوانى في جر حقيبتك إذا أبديت رغبتك في ذلك.
بعد تجاوز صف الحافلات والدخول إلى محطة القطار، ينتابك إحساس بأنك في “مول” وليس محطة، ماركات عالمية ومحلية احتلت أغلب فضاءات المحطة، حركة كبيرة للمسافرين. الذين يسارعون الخطى نحو وجهتهم، مخافة أن يفوتوا رحلتهم.
داخل المحطة تبدو وجوه مغربية مميزة بلون بشرتها ونوع لباسها، قبل أن تتأكد التخمينات بعد أن يخاطبك أحدهم، “واش تحب مساعدة”، تعتقد في البداية أنه غير مغربي، قبل أن تكتشف بعد تبادل أطراف الحديث أن مخاطبك ابن بلدك، لكنه يتفادى الحديث بالدارجة لأن السياح العرب لا يفهمونها جيدا.
أحدهم عرض علي المساعدة للحصول على تذكرة سفر من الشباك الأتوماتيكي المتضمن لمعلومات كتبت بالإيطالية يصعب على الغريب فك شفراتها، لم أمانع، سألني عن وجهتي ثم طلب مني مده بالمبلغ المالي المدون على الشباك، نقر على الشاشة، ثم سلمني التذكرة وظلت عيناه مركزتين على يدي، في انتظار أن أجود عليه بمبلغ مالي يعينه في بلاد الغربة.
قبل تسلم الإكرامية غالبا ما يحدثك عن عطالته بسبب الأزمة، التي عرفتها إيطاليا خلال السنوات الأخيرة، أو لعدم تمكنه من الحصول على وثائق إقامة تسمح له بالعمل والعيش بكرامة، في محاولة منه لدغدغة مشاعرك ومده بمبلغ أكبر من ذاك، الذي يستحقه عن الخدمة المقدمة.
بين الفينة والأخرى كان الرجل، الذي بدا من طريقة حديثه أنه يتحدر من إحدى قرى الشاوية، يلتفت يمينا ويسارا، وكأنه خائف من شيء ما، قبل أن يرفع اللبس بعد أن يخبرك أن “المخزن كيجري عليهم من المحطة”، في إشارة إلى مطاردتهم من قبل رجال الشرطة الإيطالية.
قبل توديع الرجل طلبت منه مساعدتي في الحصول على بطاقة هاتف محمول، اعتقدت في البداية أن المسألة شبيهة بالتي عندنا، وأن شركات الاتصالات ستمنحك بطاقة مجانية ومعبأة “كمان”، لكن الأمر في بلاد الروم مختلف، فالحصول على بطاقة هاتف يتطلب إجراءات وتوقيع وثائق، وأن تدلي بتأشيرة سفرك أو وثائق إقامتك، مع مبلغ مالي يبدأ من 10 أوروات ويصل إلى ستين أورو (بين 100 و 600 درهم).
ودعت صديقي المغربي الذي علمت، خلال تبادل أطراف الحديث معه، أنه يعيش ظروفا صعبة بعد طلاقه من زوجته، بسبب ضياع كل أمواله في القمار، وصعوبة توفير عيش كريم لها، قبل أن تتدهور وضعيته بعد أن فقد عمله، لتحتضنه محطة القطار التي يقضي بها معظم وقته، قبل أن يعود إلى بيت يكتري به “سداري” رفقة ثلاثة آخرين مقابل 150 أورو شهريا.

“بوناني” المغاربة … صراع أجيال

الإيطاليون يبدون سعداء بليلة أعياد الميلاد، فالفرحة تبدو واضحة على محياهم، واستعداداتهم لليلة تبدأ قبل أيام، إذ يهيئون كل شيء ويحجزون في مطاعم وملاه ليلية، كما يقتنون هدايا وكل لوازم احتفالات الليلة الغالية على قلوبهم.
بعض المغاربة خاصة من الجيل الثاني من الشباب الذي تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 سنة أغلبهم ازداد بإيطاليا، يضعون ترتيبات الاحتفالات بالليلة مثل الإيطاليين، وغالبا ما يفضلون التوجه إلى الملاهي الليلية لاحتساء الخمرة والرقص وتناول وجبة العشاء، لكن عين الجيل الأول (الآباء) ما زالت ترصدهم وتحاول بشتى الطرق دفعهم إلى عدم تقليد “الطاليان”، بداعي أن هذه الاحتفالات حرام، كما يعتقد أغلبهم، وأن الدين الإسلامي نهانا عنها، دون تقديم تبريرات، وهو ما يرفضه الأبناء، الذين يعتبرون أن الليلة لا تعدو أن تكون مناسبة للاستمتاع ببعض الوقت.
بعض الآباء، من الجيل الأول، اضطروا إلى تليين موقفهم بعد أن هدد أبناؤهم بالاستقلال بسكنهم والعيش بعيدا عنهم، أو التوجه إلى إحدى الخيريات الإيطالية للتكفل بهم، وفي بعض الحالات إبلاغ الشرطة بتعرضهم للضرب من قبل آبائهم، كما استسلموا للأمر الواقع، وحولوا وصايتهم إلى الاقتصار على مطالبة الأبناء بعدم شرب الخمر، مخافة ارتكاب حوادث سير أو التجريد من رخصة السياقة في حال ضبطهم في حالة سكر، في حين بقي آخرون (وهم قلة) على تطرفهم، بعد أن خيروا ابناءهم ما بين الخضوع لسلطة الأب، أو الطرد من المنزل.

“ليلة ولو باقي ليلة”

“ليلة لو باقي ليلة بعمري… أبيه الليلة واسهر… في ليل عيونك…” كلمات الأغنية السعودية التي أداها باقتدار محمد عبده لا يعرفها الإيطاليون، لكنهم يرفعونها شعارا في هذه الليلة المميزة، فأغلبهم إن لم نقل جلهم، يسهرون حتى ساعات الصباح من اليوم الموالي.
البعض يسهر في منزله لتناول عشاء عيد الميلاد رفقة أفراد العائلة والأصدقاء، يرقصون ويغنون ويشربون ما لذ وطاب من خمر، كل منهم يحرص على حمل هدية، يسلمها لحبيب أو قريب عند منتصف ليلة البوناني، وآخرون يفضلون التوجه إلى المطاعم والملاهي الليلية.

“هميزات” أعياد الميلاد

بعض المغربيات من ممتهنات الدعارة في ميلانو يعددن العدة لليلة، ليس احتفالا بأعياد الميلاد المقدسة لدى المسيحيين، ولكن للظفر بغنائم العيد، من خلال التردد على ملاه ليلية شهيرة بالمدينة، بحثا عن زبناء، يقضين معهم ما تبقى من الليلة.
يستعرضن صدورهن المكتنزة شبه العارية ومؤخراتهن ، ويحرصن على إبراز مفاتنهن، التي تخفي بعضا من حقيقتها مساحيق وضعت بعناية لجلب الزبناء، وإظهار مفاتن عربية أصيلة مطلوبة لدى إيطاليين وأوربيين زاروا المدينة في تلك الليلة.
المفاوضات تبدأ بعد دقائق من التعارف، فالمناسبة لا تسمح بضياع الوقت في الحديث، والزبون الراغب في الرقص وتبادل بعض القبل واحتساء الخمرة رفقة فتاة ثم إنهاء الليلة بمنزله رفقة صديقته أو زوجته، غير مرغوب فيه لديهن، وهن في غنى عن أكله وشربه، فهن يرفعن شعار “اضرب الحديد ما حدو سخون” ، “ولي أولو شرط آخرو نور”، وأول الشروط قراءة نوايا المتحرش “واش باغي يمشي بعيد ولا حدو الملهى”.
الذهاب بعيدا يعني التوجه سويا إلى فندق أو منزله، لكن أغلب المغربيات الممتهنات للدعارة يفضلن قضاء الليلة بشققهن التي يكترينها في أحياء وسط المدينة، مخافة أن يتعرضن لاعتداء أو سوء معاملة من قبل الزبون أو مرافقيه.
الشقة مجهزة بما لذ وطاب من أكل وشرب ومستلزمات إكمال الليلة المقدسة، ولكل خدمة ثمن.

الصديق بوكزول (موفد الصباح إلى ميلانو)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق