ملف الصباح

الشعباني: لن يتعدى المباريات

أستاذ علم الاجتماع فسر الظاهرة بأوضاع اجتماعية واقتصادية مزرية
نفى علي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، أن يكون هناك تدخل من جهات خارجية، أو تنظيمات سياسية ونقابية، في الحراك الذي تعرفه المدرجات بمختلف الملاعب الوطنية، وأن الجمهور يعبر فقط عما يعيشه من أوضاع اجتماعية مزرية. وأضاف الشعباني، في حوار مع “الصباح”، أنه من الصعب أن يتحول حراك المدرجات إلى احتجاجات عامة، أو إضرابات، وأنه مجرد تعبير عن الأوضاع، لن تتعدى حدوده زمان ومكان المباراة.
> هل تعتقد أن هناك اختراقا من جهات خارجية وتنظيمات سياسية لجمهور الملاعب؟
> أولا، لا يمكن أن نتحدث عن مسألة الاختراق، لأنهم أبناء الشعب، الذين يذهبون إلى الملاعب، ومعظمهم من الشباب، ولهم أوضاع اجتماعية واقتصادية مختلفة، ويوجدون في وضعية صعبة، أي أنهم يعانون البطالة، أو انعدام التكوين اللازم، أو انفصالهم عن المدرسة والجامعة، ويعانون كثيرا، لكن الملعب لا يمنعهم من الدخول، ونعرف مدى قوة الجمهور، ومدى تفاعل الفرد داخل الجماعة، وهؤلاء الشباب، باعتبارهم أفرادا لا يتوانون عن الإفصاح عن هذه المعاناة، والتعبير عنها بطريقة من الطرق، غير أنه عندما يوجدون في إطار الجمهور، فيحركون، ولو من قبل شخص واحد، ويتجاوبون معه، يرددونها بشكل جماعي.

> من أين يستمد الجمهور هذه الطاقة للتعبير عن مواقفه السياسية والاجتماعية؟
> المسألة التي تثير الاهتمام ليس هذه الاحتجاجات والشعارات لأنها قديمة وموجودة، لكن ما ينبغي الوقوف عنده، أن هذه الشعارات أصبحت ذات طابع سياسي، وتسيس من قبل الجمهور المرتبط بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالمجتمع المغربي، وهذه الأمور يعيشها هؤلاء الشباب خارج الملعب، ولا يجدون المكان المناسب للتعبير عنها، إلا داخله، والدولة لا يمكن لها محاصرتهم ومنعهم من ترديد الشعارات والتغني بها، والملعب هو الوسيلة الوحيدة للاختباء وراء الكشف عن مكنونات هذه الجماهير، والشيء نفسه نجده في مواقع التواصل الاجتماعي، التي يختبيء وراءها الشباب، للتعبير عن سخطهم من الأوضاع التي يعيشونها.

> هل هناك أزمة ثقة أيضا؟
> نعرف أيضا أن هؤلاء الشباب ملوا من الوعود الكاذبة، ومن النخب المزيفة، ومن الكثير من الأمور المتناقضة، التي يشاهدونها أمام أعينهم، إذ يتابعون مظاهر البذخ، التي تظهر على البعض، من منازل وسيارات فاخرة، أو السفريات المختلفة لهم ولأبنائهم في مناطق بعيدة جدا، مثل جزر المالديف وغيرها، إضافة إلى الاستشفاء، إذ لم تعد بعض النخب تلجأ إلى المصحات والمستشفيات المغربية، فتبحث عنها في دول أوربية وأمريكا. كل هذه الأمور يختزنها الجمهور المغربي المقهور داخله، وينتظر الوقت المناسب لتفريغ هذه المكبوتات في الملعب، وللتعبير عن معاناته، ليس في إطار فردي، وإنما في إطار الجماعة التي تتيح له ذلك.

> هل تعتقد أنه بإمكان حراك المدرجات أن يتحول إلى حركات احتجاجية قوية بجميع المدن؟
> لا أعتقد ذلك. شخصيا لا يمكنني أن أشك في ذكاء الأمن المغربي، وفي السياسات الأمنية المتبعة في المجتمع المغربي المطوق، وهذه الأمور قد لا تتعدى هذه الفضاءات، لأنها جاءت في ظرفية خاصة، فبعد 2011، أو ما كان يسمى بالربيع العربي، أخذت الدولة المغربية احتياطاتها من كل ما يقع، وما يقع في الدول العربية الأخرى.
ولا أعتقد أن النظام المغربي غافل عما يجري في المدرجات، ويتخذ احتياطاته أكثر من اللازم، وهذا الرأي يلزمني أنا شخصيا، لأن الجميع يعرف كيف أن الأمن احتوى حركة 20 فبراير، وكيف قام بعمليات استباقية لكل ما يقع، ولبى بعض المطالب، منها ما تحقق، ومنها ما لم يتحقق، والجميع يعرف تحركات الأجهزة الأمنية المختلفة على جميع الأصعدة، لذلك من المستبعد أن تتطور مثل هذه الاحتجاجات، غير أنه من الممكن أن تكون بشكل جزئي، أو قطاعي، لكن على مستوى احتجاجات عامة وإضرابات وطنية، من الصعب تحقيقها الآن.

> لماذا في رأيك؟
> لأن النظام قام بتقليم أظافر الأحزاب السياسية، ودجن منها ما دجن، واحتوى منها ما احتوى، ولم تعد تلعب الأدوار، التي كانت تقوم بها سابقا، ومعظم النقابات أيضا، إن لم نقل كلها، تتبنى سياسات المهادنة والبيع والشراء والتنازلات والمقايضات بينها وبين النظام، هذه أمور معروفة، لذلك يبقى حراك المدرجات مجرد احتجاجات فوضوية، ولا أحد يتبناها، ومن الصعب جدا أن تتحول إلى احتجاجات عامة وعارمة، من شأنها التأثير على النظام السياسي.

> كيف يمكن للأمن التعامل مع الأمر؟
> من الصعب على الأجهزة الأمنية مراقبة كل شيء والدخول في رأس كل شخص لمعرفة ما يدور فيه، ونحن نلاحظ أن الأمن يجد صعوبة في حجز الأسلحة والألعاب النارية التي يستعملونها في المدرجات، أو بعض الأمور التي لها تأثير على السير العام للمباراة، سيما أن هذه الأمور لا يمكن أن تتفجر إلا داخل الملاعب، ومن قبل الجماهير الكبيرة، حتى الجماهير الصغيرة لا يمكنها القيام بذلك، ولا يمكن مشاهدتها إلا في الملعب، الذي تحضر فيه ما بين 20 و40 ألف شخص، خاصة في مباريات الديربي، حتى جماهير ألفي مشجع يمكن محاصرتها واحتواؤها بسهولة.

> ما الذي أضافته هذه الشعارات إلى المجتمع المغربي؟
> أعتقد أنها لم تضف شيئا، لأنها مجرد شعارات للاستهلاك، لأنه لا يمكن نهائيا أن تتطور إلى أمور خطيرة، سيما أنها غير مؤطرة.
لكن الأكيد أن هذا الحراك أعطى فرجة من نوع آخر ذات نكهة سياسية، من خلال الشعارات التي يرددها الجمهور، ويمكن القول إنها مسرحية تثير إعجاب الإنسان المقهور، دون أن تتعدى زمان ومكان المباراة، وبعد ذلك يمكن أن تتحول إلى شغب، وأفعال إجرامية، عن طريق تكسير الممتلكات الخاصة للمواطنين، والتي ليست لها أي علاقة بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي كانوا يرددون شعارات بشأنها داخل الملعب، ويمكن أن تتحول إلى اعتقالات، ويصبح المعتقلون متابعين طبقا لفصول القانون الجنائي، أو قانون محاربة الشغب.
أجرى الحوار: صلاح الدين محسن
في سطور
– أستاذ علم الاجتماع
– شغل منصب مدير الأبحاث في المعهد الملكي لتكوين الأطر بالرباط
– نشر عدة كتب داخل المغرب وخارجه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق